أصدرت منظمة “التضامن مع الآخرين” (Solidarity with OTHERS)، وهي مؤسسة حقوقية مقرّها بلجيكا، تقريراً بعنوان: “نظرة إلى المحاكمات الجائرة في تركيا من خلال قضية ملك غَلِر”، تناولت فيه أبعاداً قانونية وإنسانية لقضية شغلت الرأي العام التركي، عقب وفاة فتاة تبلغ من العمر 15 عاماً، كانت تتحمل مسؤولية رعاية شقيقيها في ظل سجن والدتها المعلمة.
خلفية القضية: اتهامات تعسفية وعقوبة قاسية
كانت مَلَك غَلِر تعمل معلمة فيزياء في مدرسة خاصة بمدينة بولو، وقد أُغلقت هذه المدرسة بموجب مرسوم الطوارئ في أعقاب محاولة الانقلاب الفاشلة عام 2016، ضمن حملة السلطات التركية ضد المؤسسات المرتبطة بحركة فتح الله كولن.
لاحقاً، فُتحت ضدها قضية بتهمة “الانتماء إلى تنظيم إرهابي”، استندت فيها النيابة إلى ما اعتُبر “أدلة” متمثلة في:
- عملها السابق في المؤسسة التعليمية المغلقة.
- امتلاكها حساباً في بنك آسيا.
- تلقيها طرداً من مكتبة “NT”.
- الاشتباه باستخدامها تطبيق “بايلوك” للتواصل.
ورغم أن هذه الأفعال كلها كانت مشروعة قانوناً في وقت وقوعها، فقد قضت المحكمة بسجنها لمدة 6 سنوات و10 أشهر و15 يوماً، دون أن تتضمن لائحة الاتهام أي دليل على ممارسة العنف أو الانخراط في نشاطات تنظيمية. كما لم تُراعَ في المحاكمة قرينة البراءة أو مبدأ التخصيص الفردي للمسؤولية، بل ثُبّت الحكم لاحقاً لدى محكمتَي الاستئناف والتمييز دون إجراء مراجعة موضوعية.
مأساة إنسانية: وفاة سُمَيْرة نتيجة غياب الأم
فيما كانت الأم مَلَك تقبع خلف القضبان، كانت ابنتها الكبرى، سُمَيْرة، تعاني من مرض الصرع وتتحمّل في الوقت نفسه عبء رعاية شقيقيها الصغيرين، البالغين من العمر 6 و12 عاماً. وقد تقدّمت مَلَك بطلب نقل إلى سجن في بولو لتكون قريبة من أطفالها، غير أن السلطات رفضت مراراً طلبها.
وفي 3 نيسان/أبريل 2024، وبعد يوم من زيارة والدتها في السجن خلال عطلة العيد، توفيت سُمَيْرة في منزل جدّتها بمدينة أضابازاري، بعد نوبة صرعية. هذه الوفاة المفجعة أثارت موجة حزن واسعة في الشارع التركي، وتحوّلت إلى رمز حيّ لانعكاسات الظلم القانوني على الأطفال والعائلات.
ردود فعل مدنية وسياسية واسعة
أثارت الحادثة تعاطفاً واسعاً في الأوساط الحقوقية والإعلامية والفنية، وعبّر عدد من الفنانين مثل يشيم سالقيم، ولاجين جيلان، ودنيز أككايا، عن حزنهم العميق لما جرى. كما أطلق عدد من السياسيين والبرلمانيين، أبرزهم عمر فاروق جرجرلي أوغلو، سماء سيلكين أُون، وأيدين أردوغان، ولطفي تُرككان، ومصطفى ينار أوغلو، ونجم الدين تشاليشكان، دعوات عاجلة لإحقاق العدالة، ووقف ما وصفوه بـ”الاعتقال التعسفي الذي يدفع ثمنه الأبرياء”.
وقد سلطت وسائل إعلام تركية، من بينها “خلق تي في” ذي التوجه العلماني وصحف مستقلة، الضوء على القضية، معتبرة أنها نموذج واضح للانتهاكات التي سبق أن انتقدها حكم المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في قضية يلماز يالتشنكايا، والذي أكدت فيه أن الملاحقات القضائية المستندة إلى أدلة عامة وغير فردية تُشكّل انتهاكاً جسيماً للحقوق الأساسية.
قضية تكشف عمق أزمة العدالة في تركيا
لا تمثل قضية ملك وسُمَيْرة حالة معزولة، بل هي إحدى حلقات سلسلة من الملاحقات القضائية التي طالت آلاف المعلمين والموظفين والصحفيين بدعوى الانتماء إلى “تنظيم إرهابي”، استناداً إلى مؤشرات غير جنائية كالمعاملات البنكية، أو الاشتراك في تطبيقات إلكترونية، أو العمل في مؤسسات أغلقت بعد محاولة الانقلاب.
وفي ظل استمرار هذه الممارسات، تتزايد الدعوات من منظمات دولية ومحلية لإصلاح القضاء التركي وضمان استقلاليته، وحماية حقوق الأمهات والأطفال المتضررين من قرارات المحاكم الاستثنائية.

