هناك حقائق يصعب على الناس مواجهتها، من بينها أن الطريقة التي يعامل بها الإنسان والدته تشكّل الاختبار الأصدق لأخلاقه، لا مكانته الاجتماعية ولا نجاحه المهني. فبينما تُسدل الستائر العامة وتُطفأ الأضواء، يبقى التعامل مع الأم هو المقياس الحقيقي للجوهر الإنساني، بعيداً عن التصنع والمظاهر.
التحليل النفسي الذي قدّمه كارل يونغ قبل عقود يجد اليوم صداه في زمن تتزايد فيه المسافات العاطفية داخل العائلة، إذ أوضح أن الإنسان يرتدي “قناعاً” اجتماعياً يُظهر ما يودّ أن يراه الآخرون، لكنه لا يعكس حقيقته الداخلية. وهذا القناع يسقط أولاً أمام الأم، لأنها تعرفه كما وُلد، دون زخارف أو أدوار.
العلاقة الأولى… مرآة الوجدان الحقيقي
الأم هي المرآة الأولى التي تكشف هوية الابن الحقيقية، وهي من تختبر سقوط القناع حين يزول الزيف الاجتماعي. فطريقة تعامل الابن مع والدته ليست مجرد انعكاس للتربية أو للمزاج، بل هي تجسيد لموقفه الأخلاقي من الضعف، ومن الحب غير المشروط، ومن الجذور التي منحته الحياة.
حين يكون الابن مهذباً في الخارج، لبقاً مع الغرباء، لكنه قاسٍ مع والدته، فذلك ليس عرضاً مؤقتاً، بل بنية داخلية تُظهر أن أخلاقه انتقائية، وأنه لا يرى في الاحترام قيمة بقدر ما يراه أداة للمصلحة. فالأم هنا ليست في نظره شخصاً يحتاج إلى التقدير، بل مرآة تُذكّره بما لا يريد أن يراه في ذاته.
غياب الامتنان… جذر الأنانية الحديثة
يشير يونغ إلى أن الامتنان فضيلة عقلية وروحية تتطلب التواضع، فهي تعني الاعتراف بأن الإنسان لم يصنع ذاته وحده. أما من يفتقر إلى هذه القدرة، فيُظهر خللاً في الوعي بالذات.
الأم التي سهرت وتنازلت وتحمّلت لتمنح أبناءها فرصة للحياة، تجد نفسها بعد عقود أمام أبنٍ يتعامل مع عطائها كما لو كان واجباً لا يستحق الذكر. هذا الجحود لا يعني النسيان فحسب، بل يعكس موقفاً وجودياً يقول: “أنا لا أدين لأحد بشيء”. وهو المبدأ الذي يقود إلى العزلة الأخلاقية، حيث يرفض الإنسان الاعتراف بفضل من ساهموا في تشكيله.
عندما يصبح الاحترام مشروطاً
من المظاهر المتكررة في العلاقات الأسرية الحديثة أن بعض الأبناء يُظهرون قدراً كبيراً من اللطف خارج المنزل، بينما يتعاملون مع أمهاتهم ببرود أو نفور. ويصف التحليل النفسي ذلك بأنه شكل من “الانفصال الأخلاقي”؛ أي القدرة على ممارسة التعاطف في مواقف محددة لتحقيق مكاسب اجتماعية، مع انعدامه في السياقات التي لا تُدرّ نفعاً.
إنه سلوك انتقائي يكشف عن أزمة في الوجدان، حيث تتحول القيم إلى أدوات، لا مبادئ. فحين يشعر الابن أن الأم ستغفر دائماً، يصبح قاسياً معها، مطمئناً إلى غياب العقوبة. ومن هنا تتحول الأم إلى الحقل الوحيد الذي يُمارس فيه الابن أنانيته بلا خوف من العواقب.
البرود الصامت… شكل من أشكال الهجر
قد لا يكون غياب الابن الجسدي هو الأصعب، بل صمته. فحين تمر الأسابيع دون اتصال، وتُختزل العلاقة في اتصالات نفعية وقت الحاجة، يظهر ما وصفه يونغ بـ”الهجر النفسي” — أي الإقصاء الهادئ من الحياة العاطفية للآخرين دون إعلان صريح.
هذا الغياب ليس انشغالاً عادياً، بل تهميشاً مقصوداً. فالوقت الذي يُخصّص للأصدقاء وللعمل وللشركاء العاطفيين، لا يجد مساحته حين يتعلق الأمر بالأم. وهذه المفارقة تفضح الأولويات وتكشف عن خريطة القيم الحقيقية، حيث تتراجع الأم إلى الهامش بعد أن كانت مركز الكون في طفولة الابن.
عندما تتحول الأم إلى شماعة الماضي
في كثير من الحالات، يُسقِط الأبناء إخفاقاتهم على أمهاتهم، متهمين إياهنّ بالصرامة أو التساهل أو الإهمال، وفق ما يخدم سرديتهم. ويصف يونغ ذلك بآلية “الإسقاط النفسي”، حيث ينقل الإنسان مشكلاته الداخلية إلى الخارج ليتهرّب من مسؤوليتها.
أما النضج الحقيقي فيبدأ حين يعترف المرء بماضيه دون أن يُحمّله للآخرين. فالطفولة تُشكّل الشخصية، لكنها لا تبرّر أخطاء الكبار. وكل من يستمر في لوم أمه بعد بلوغ الرشد، يعلن ضمنياً عجزه عن إدارة حياته المستقلة.
الاختبار الأخلاقي في لحظة الضعف
حين تمر الأم بمرض أو عجز، تُختبر إنسانية الابن في أصدق صورها. فالحضور في لحظات العطاء لا يوازي الغياب عند الحاجة. فالأبناء الذين يتوارون خلف أعذار العمل أو الانشغال في أوقات مرض أمهاتهم، يقدّمون اعترافاً عملياً بفقدانهم للبوصلة الأخلاقية.
الابن الذي لا يشارك الألم ولا يقف عند سرير والدته، يعلن بانسحابه أن علاقته بها لم تعد إنسانية بل شكلية، وأن حنانه مرتبط فقط براحة مزاجه لا بضميره. وهنا تتجلى الفكرة الجوهرية ليونغ: الشخصية تُقاس في الأزمات لا في الراحة.
الاهتمام المشروط بالميراث
يتجلى التناقض الأكبر حين يظهر الأبناء فجأة عند الحديث عن الميراث أو الممتلكات، بعد سنوات من الغياب. هذا السلوك، وفق التحليل النفسي، لا يدل على حب بل على “الاستثمار العاطفي المصلحي”، حيث تتحول العلاقات الأسرية إلى معاملات مادية، ويُختزل وجود الأم إلى وسيلة للوصول إلى مكاسب.
في هذا النمط، يختفي البعد الإنساني للعلاقة الأمومية، وتتحول الأم إلى “رمز مالي” لا “كائن شعوري”، وهو ما يجعل لحظة الوعي بالحقيقة بالنسبة للأم مؤلمة لكنها محررة، لأنها تُسقط أخيراً القناع.
التحرر من الوهم… لحظة الخلاص
يصل النص إلى ذروته حين يدعو الأم إلى التوقف عن تبرير سوء معاملة ابنها، وإلى استعادة كرامتها الإنسانية. فالتجاهل المستمر ليس سوء فهم بل موقف واعٍ، نابع من طبيعة أخلاقية لا تريد أن تتغير.
التحرر، في هذا السياق، لا يعني قطع الحب بل إعادة تعريفه. فالأم قادرة على الاستمرار في حب ابنها دون أن تجعل من ذلك سبباً لمعاناتها. الحب الحقيقي لا يعني التضحية بالكرامة، بل احترام الذات رغم الجرح.
خاتمة: بين الوعي والحرية
إن إدراك هذه الحقيقة المؤلمة ليس هزيمة، بل نضج متأخر يمنح المرأة القدرة على استعادة سيادتها على حياتها. فشخصية الابن تكشفها مواقفه لا كلماته، واحترام الأم يظل المؤشر الأصدق على مدى إنسانيته.
فالأم التي تعي هذه المعادلة لا تخسر، بل تتحرر من عبء الوهم، وتبدأ رحلة جديدة من السلام مع ذاتها.

