تعيش الساحة السياسية التركية لحظة توتر غير مسبوقة بين شريكي الحكم، حزب العدالة والتنمية بزعامة الرئيس رجب طيب أردوغان، وحزب الحركة القومية بزعامة دولت بهجلي. فقد باتت مؤشرات الخلاف بين الطرفين علنية، وسط ترقّب واسع لما سيقوله بهجلي في خطابه المرتقب أمام الكتلة البرلمانية لحزبه، والذي يُنتظر أن يحمل رسائل سياسية حاسمة، في وقت تتحدث فيه تحليلات عن صراع خفي على مستقبل السلطة في مرحلة ما بعد أردوغان.
غياب لافت ورسائل سياسية مشفرة
بدأت علامات التوتر بالظهور مع تغيب بهجلي وقيادات حزبه عن الاحتفالات الرسمية بالذكرى الثانية بعد المئة لتأسيس الجمهورية التركية، بما في ذلك المراسم في العاصمة وحفل الاستقبال الرسمي في القصر الرئاسي. وقد فُسّر هذا الغياب على نطاق واسع كإشارة احتجاجية ضمنية على ما يُعتقد أنه تضييق متزايد من جانب القصر الرئاسي على هامش الحركة القومية داخل التحالف.
تزامن ذلك مع تداول أوساط مقربة من الحزب القومي معلومات تؤكد أن بهجلي سيُعلن عن “موقف جديد” خلال اجتماع الكتلة البرلمانية، ما رفع منسوب الترقب والتكهنات بشأن مستقبل تحالف “الجمهور” الذي حكم تركيا منذ عام 2018.
تحالف الضرورة يتحول إلى تحالف أزمة
بحسب تحليلات الباحث والصحفي التركي أمره أوسلو، فإن الأزمة الراهنة ليست مجرد خلاف سياسي عابر، بل جزء من عملية أعمق لإعادة هندسة السلطة داخل الدولة. فالعلاقة التي جمعت أردوغان وبهجلي وُلدت من رحم الضرورة بعد انتخابات حزيران/يونيو 2015، حين فقد أردوغان الأغلبية البرلمانية، فاضطر إلى التحالف مع الحركة القومية لتأمين استمرار حكمه عبر النظام الرئاسي. غير أنّ هذا التحالف، وفق أوسلو، لم يكن طبيعيًا، بل تمّ ترتيبه عبر وسطاء من داخل ما يسميه بـ “شبكات النفوذ الخفية” ذات الصلة بالمحافل الماسونية التركية.
شبكات النفوذ الخفي ودورها في هندسة التحالف
يطرح أوسلو فرضية مثيرة مفادها أنّ شخصيات بارزة مثل أركان خبرال وشنكال أتاساغون لعبت دورًا محوريًا في التقريب بين أردوغان وبهجلي، وأن هذه الشخصيات مرتبطة بمحافل ماسونية ذات امتدادات بريطانية. ومن خلال هذه الروابط – كما يقول – جرى بناء تحالف “الجمهور” الذي منح أردوغان استقرارًا سياسيًا لسنوات، قبل أن يتحول إلى عبء مع اقتراب مرحلة ما بعده.
ويشير أوسلو إلى أنّ الرئيس التركي بدأ في الأشهر الأخيرة حملة لتفكيك هذه الشبكة، تجلت في اعتقال رمزي صانفر، أحد رموز “المحفل الكبير الماسوني”، ضمن قضية “شركة جان القابضة”، في خطوة فسّرها المراقبون على أنها رسالة تحذير موجهة للنخب التي تفكر في ترتيبات ما بعد أردوغان دون الرجوع إليه.
صراع ما بعد أردوغان: من يرسم مستقبل تركيا؟
بحسب أوسلو، فإن هذه الشبكات وضعت تصورًا لمرحلة ما بعد أردوغان، يتمحور حول ثلاثة أسماء: أكرم إمام أوغلو، ومنصور يافاش، وهاكان فيدان. الهدف، كما يرى، هو انتقال منضبط للسلطة يحافظ على مصالح النخب القديمة. لكن أردوغان، بعد أن اكتشف هذا المخطط، ردّ بسلسلة إجراءات مضادة استهدفت رموزًا في الاستخبارات والاقتصاد، وضيّقت الخناق على إمام أوغلو وقيادات المعارضة.
هذا الصراع – وفق التحليل – هو ما انعكس على العلاقة بين أردوغان وبهجلي، حيث يعتبر الأخير نفسه مستبعدًا من دوائر القرار بعد أن كان شريكًا أساسياً في تأسيس النظام الرئاسي. ويُعتقد أن غيابه عن حفل القصر الجمهوري لم يكن محض صدفة، بل رسالة اعتراض على “سياسة الإقصاء” الجديدة.
التحالف عند مفترق طرق
يُتوقع أن يكون خطاب بهجلي المرتقب أمام البرلمان اختباراً حقيقياً لمتانة التحالف بين الحزبين. فإما أن يعيد ضبط العلاقة من خلال دعوة إلى “تصحيح المسار”، أو يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الاصطفافات السياسية مع اقتراب الانتخابات المحلية القادمة.
في المقابل، لا يبدو أردوغان مستعداً لتقديم تنازلات استراتيجية في هذا التوقيت، خصوصاً مع تصاعد الضغوط الاقتصادية وتراجع التأييد الشعبي، ما يجعل إدارة التوازن داخل التحالف أكثر صعوبة من أي وقت مضى.
تبدو تركيا اليوم أمام معادلة دقيقة: رئيس يسعى لتأمين إرثه السياسي وتحصين النظام الرئاسي، وشريك قومي يرى أن نفوذه بدأ يتلاشى داخل معادلة الحكم. وبين الطرفين، تتفاعل صراعات النفوذ الخفية وشبكات المصالح التي تحاول إعادة رسم خريطة السلطة لما بعد أردوغان.

