انعقدت في العاصمة السعودية الرياض، أمس الجمعة، قمة تشاورية جمعت قادة دول مجلس التعاون الخليجي، إلى جانب مصر والأردن، وذلك بدعوة من ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان.
جاء اللقاء في إطار تبادل وجهات النظر حول مستجدات القضية الفلسطينية، ولا سيما البحث عن بدائل لمقترح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن توطين سكان قطاع غزة في كل من مصر والأردن، فضلاً عن مناقشة سبل إعادة إعمار القطاع ضمن خطة عربية.
تحضير سعودي مسبق ونتائج محدودة
اتسمت القمة بطابع غير رسمي، وهو ما مهدت له السعودية مسبقًا عبر تصريحات لوسائل إعلامها الرسمية، مؤكدة أن اللقاء “ودي وغير رسمي”. انعكس ذلك ليس فقط على مضمون المناقشات، بل حتى على الأجواء العامة للقاء، مما يُفسَّر على أنه محاولة سعودية لخفض سقف التوقعات، لا سيما في ظل عدم اكتمال ملامح الخطة البديلة التي تعمل مصر على إعدادها بالتنسيق مع عدد من الدول العربية.
مرتكزات الخطة العربية والعوائق أمامها
ترتكز الخطة المطروحة على ركيزتين أساسيتين:
- تمويل سخي لإعادة إعمار غزة، حيث تقدر التكاليف بحوالي 50 مليار دولار، مع ضرورة تحديد الجهات المانحة.
- ضمانات أمنية وسياسية، بما في ذلك إقناع حركة حماس بنزع سلاحها بالكامل والتخلي عن أي دور سياسي أو إداري لها في القطاع بعد التوصل إلى وقف نهائي لإطلاق النار.
ورغم أن المشاورات حول هذين المحورين لا تزال قائمة، إلا أن الموقف الخليجي بدا متحفظًا تجاه الالتزام بتمويل إعادة الإعمار دون ضمانات كافية تحول دون تكرار اندلاع النزاعات في غزة.
إشكاليات متعلقة بدور حماس والموقف الإسرائيلي والأمريكي
تشكل ازدواجية مواقف حركة حماس تحديًا كبيرًا، إذ تبدي الحركة في بعض الأحيان استعدادًا للتخلي عن إدارة القطاع، بينما تصر في أحيان أخرى على الاحتفاظ بسلاحها ودورها، وهو ما يتعارض مع الشروط التي تضعها إسرائيل والولايات المتحدة للموافقة على أي خطة عربية بديلة، مما يعزز موقف إدارة ترامب ويجعل مقترحها يبدو الخيار الوحيد المطروح.
دلالات عدم إصدار قرارات حاسمة
لم يتمخض عن القمة قرارات ملزمة، حيث اتفق القادة على إبقاء اللقاء في إطار “التشاور”، لتجنب تحميل الدول المشاركة مسؤولية تنفيذ أي مخرجات غير قابلة للتطبيق. كما جاء ذلك مراعاةً للقمة العربية الطارئة المقرر انعقادها في القاهرة في 4 مارس المقبل، والتي يُرتقب أن تشهد قرارات أكثر وضوحًا. وعليه، فإن تحويل مخرجات قمة الرياض إلى مجرد “نقاشات تمهيدية” قد يكون خيارًا عمليًا لضمان التوافق العربي الأوسع في القاهرة.
السعودية بين التوازن الإقليمي ومسار التطبيع
يبدو أن السعودية حرصت على عدم تحويل القمة إلى منصة مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، خصوصًا في ظل الضغوط الإقليمية والدولية الرامية إلى إدخالها في عملية تطبيع شاملة. وعلى الرغم من الموقف السعودي الرسمي الرافض لفكرة التوطين، فإن الرياض تدرك أن مواجهة مباشرة قد تعرقل مساعيها في تحقيق توازن دبلوماسي يخدم مصالحها الاستراتيجية.
إشادة بالجهود السعودية
أعرب قادة الدول المشاركة عن تقديرهم للجهود التي تبذلها السعودية في دعم القضية الفلسطينية وتعزيز العمل العربي المشترك. وفي هذا السياق، وجه أمير الكويت الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح برقية شكر إلى ولي العهد السعودي، مشيدًا بحسن الاستقبال وكرم الضيافة، ومؤكدًا أهمية توحيد المواقف العربية تجاه التحديات الإقليمية. كما نشر رئيس الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رسالة شكر عبر منصة “إكس”، مشيدًا بالتنسيق والتشاور المستمر بين القادة.
آفاق المشاورات العربية
يتضح أن القمة التشاورية في الرياض كانت خطوة أولية في إطار بلورة موقف عربي موحد تجاه القضية الفلسطينية، مع إبقاء الباب مفتوحًا لمزيد من المشاورات خلال القمة الموسعة في القاهرة. ويبقى السؤال الأبرز: هل ستتمكن الدول العربية من تقديم رؤية متماسكة وبديلة، أم أن مقترح ترامب سيظل مطروحًا كخيار وحيد أمام المجتمع الدولي؟

