في أعقاب إعلان حزب العمال الكردستاني (PKK) عن قراره بحلّ نفسه، شنت وسائل إعلام مقربة من الحكومة التركية حملة على عدد من الشخصيات الفنية التي التزمت الصمت، متهمة إياها بـ”الجبن المدني” والتقصير في دعم ما وصفته بـ”الخطوة التاريخية لإنهاء الإرهاب”. لكن المغني والمخرج الكردي الشهير محصون قرميزي غول ردّ بشدة على هذه الاتهامات، مؤكدًا أن الخطر الحقيقي على تركيا ليس الإرهاب، بل الفساد المستشري في أوساط السلطة.
فنان في مرمى النار الإعلامية
بدأت الحملة بمقال رأي نُشر الجمعة 16 مايو بقلم الصحفي الموالي للحكومة ظفر شاهين، انتقد فيه عددًا من الفنانين، من بينهم محصون قرميزي غول، بسبب “تجاهلهم” إعلان حلّ الكردستاني، واصفًا ذلك بـ”خيانة اللحظة التاريخية”. المقال دفع قرميزي غول للخروج عن صمته بردّ واسع حمل رسائل سياسية واجتماعية حادة.
قرميزي غول يرد: الفساد أخطر من الإرهاب
في منشور مطوّل على منصة X (تويتر سابقًا)، كتب قرميزي غول: “الفساد أخطر من الإرهاب بعشر مرات… لقد سُرق من هذا البلد ثلاثة أضعاف ما أُنفِق على الحرب الداخلية. من يسرق مستقبل هذا الشعب لا يختلف عن الإرهابي.”
وأشار إلى أن مسيرته الفنية كانت دومًا في خدمة السلام والتعايش، رغم المخاطر التي تحملها ذلك، قائلاً: “عندما قلت ‘نحن جميعاً إخوة’، كان البعض لا يعرف حتى أين يقف.”
“الفقر هو الفضيحة، لا الصمت”
رفض قرميزي غول فكرة أن الصمت الفني إزاء تفكيك الكردستاني يُعد فضيحة، وقال إن الفضيحة الحقيقية تكمن في “السكوت عن فقر المتقاعدين، والأساتذة، والقضاة، والأطباء، والجنود”، مضيفا أن الفن ليس أداة للدعاية السياسية بل مرآة لآلام الناس.
خلفية سياسية – تفكيك الكردستاني واحتكار الرواية
في 12 مايو، أعلن حزب العمال الكردستاني رسمياً عن حلّ نفسه ووقف العمل المسلح، استجابة لنداء زعيمه المعتقل عبد الله أوجلان الصادر في فبراير. جاء القرار عقب مؤتمر داخلي عُقد بين 5 و7 مايو في شمال العراق.
ورحبت الحكومة التركية بالخطوة، معتبرة إياها بداية “مرحلة جديدة”، مع تأكيد أن العملية ستكون تحت إشراف المخابرات التركية، والحكومة العراقية، وحكومة إقليم كردستان – دون أي رقابة دولية مستقلة.
حملة إعلامية موجهة
أطلقت أنقرة بالتوازي حملة خطابية ضخمة لتوصيف الحدث على أنه انتصار للسياسة الأمنية للدولة، وطالبت الشخصيات العامة والفنية بالتعبير عن دعمها الصريح. هذا ما دفع البعض، ومنهم قرميزي غول، للتنديد بما اعتبروه محاولة “ابتزاز رمزي وإعلامي” للمثقفين والفنانين.
من هو محصون قرميزي غول؟
رمز للسلام في زمن الانقسام
يُعد قرميزي غول من أبرز الفنانين الكرد في تركيا، وبدأ مسيرته الغنائية في التسعينات بأغاني شعبية تمزج بين الألم والتعايش. لاحقًا، انتقل إلى عالم السينما، حيث كتب وأخرج أفلامًا ناجحة تمحورت حول الهجرة، والحرب، والهوية الكردية.
شخصيته الفنية التي تتميز بالهدوء والدعوة للوئام منحته رمزية عالية في النقاشات الوطنية، خصوصًا فيما يتعلق بالصراع الكردي-التركي، ما جعل صمته – ثم بيانه الأخير – ذا وزن سياسي واجتماعي كبير.
أزمة الرواية الرسمية
يرى مراقبون أن محاولة الحكومة تصوير خطوة الكردستاني كـ”تسليم بلا مقابل” يفتقر إلى الشفافية، خاصة مع غياب معلومات واضحة حول بنود الاتفاق أو الضمانات الممنوحة للأكراد. ويُتهم الإعلام الحكومي بمحاولة فرض سردية أحادية، وتجريم كل من لا يتبناها.
بين الإرهاب والفساد… من يخطف مستقبل تركيا؟
يرى مراقبون أن ردّ قرميزي غول لا يهدف إلى تبرير أو دعم أي حركة مسلحة، بل إلى نقل بوصلة النقاش من الأعراض إلى الجذور – من “من صمت؟” إلى “من سرق؟”، ومن “من لم يصفق للحل؟” إلى “من يسرق مستقبل الأجيال؟”.

