في ظل العدوان الإسرائيلي المستمر على قطاع غزة، وفي لحظة تاريخية من الإجماع الدولي ضد جرائم الحرب، امتنعت تركيا، رغم مشاركتها في اجتماع بوغوتا، عن التوقيع على بيان مشترك تبنته 12 دولة تدين بشدة إسرائيل وتدعو لوقف تصدير السلاح إليها ومحاسبة مجرمي الحرب.
الكاتب والصحفي التركي أرقم طوفان انتقد بحدة موقف الحكومة التركية، متّهماً إياها بـ”الخداع السياسي” و”ازدواجية الخطاب بين الشعارات المرفوعة في الميادين والمصالح الخفية في الكواليس”.
بيان بوغوتا التاريخي: موقف جريء… وتركيا تتفرّج
شهدت العاصمة الكولومبية بوغوتا اجتماعًا مهمًا ضم عدة دول من مختلف القارات، انتهى بإصدار بيان مكوّن من ستة بنود واضحة ضد إسرائيل، شمل:
- وقف إرسال السلاح والمعدات لإسرائيل.
- منع دخول السفن المرتبطة بإسرائيل إلى الموانئ.
- حظر عبور المواد ذات الاستخدام العسكري المزدوج.
- إلغاء العقود الحكومية مع إسرائيل.
- فرض عقوبات دولية صارمة.
- محاكمة مرتكبي جرائم الحرب أمام محاكم الدول الموقّعة.
الدول الموقعة على البيان كانت: بوليفيا، كولومبيا، كوبا، إندونيسيا، العراق، ليبيا، ماليزيا، ناميبيا، نيكاراغوا، سلطنة عمان، جنوب إفريقيا. أما تركيا، فكانت حاضرة على الطاولة، لكنها لم توقّع، وفق ما أكده طوفان، رغم أن الحكومة التركية لم تنف الحضور.
أردوغان وفيدان… بين الشعارات والواقع
أرقم طوفان تساءل بمرارة: “ألم تشعروا بالخجل اليوم، أنتم الذين صدحتم في الميادين بأن فلسطين خط أحمر؟ كيف تشاهدون أطفال غزة يُدفنون أحياء، ثم ترفضون التوقيع على بيان يحظر السلاح على قاتلهم؟”
طوفان كشف أن قرار عدم التوقيع جاء بتعليمات مباشرة من الرئيس رجب طيب أردوغان ووزير خارجيته هاكان فيدان، رغم أن البيان يتطابق، بحسب التصريحات التركية السابقة، مع ما تقول أنقرة إنها تطبقه بالفعل من سياسات.
الخارجية التركية في موقف دفاعي… وتناقضات لا تنتهي
عقب انتشار خبر رفض تركيا التوقيع، سارعت وزارة الخارجية التركية لإصدار بيان إنكاري وصفه طوفان بـ”المصقول بالكلمات اللامعة والجوهر الفارغ”، حيث قالت الوزارة إن “الادعاءات لا أساس لها”، وإن أنقرة “تطبق فعلاً” مضمون البيان من حيث الإجراءات والتدابير ضد إسرائيل.
لكن طوفان رد بسؤال منطقي: “إذا كنتم تطبقون كل ما ورد في البيان… فهل من عاقل يرفض التوقيع على ما يطبقه فعلاً؟ أم أن هناك حقائق لا تُقال علنًا؟”
ما وراء الستار: تجارة، سفن، وشراكات مخفية
يرى طوفان أن ازدواجية الحكومة التركية لا تتوقف عند حدود الكلام، بل تنكشف عبر استمرار التبادل التجاري بين أنقرة وتل أبيب، بما يشمل سفنًا تركية “تتحرك كأن شيئًا لم يكن”، بحسب وصفه.
وقال: “بينما تبكون في الميادين على غزة، تواصلون إرسال البضائع إلى إسرائيل عبر شركات أبناءكم، وتُسجّل خزائنكم دولارات ملوّثة بدماء الأبرياء”.
وأضاف أن ما يجري هو تبادل دموي بين “حب ظاهري لفلسطين” و”عشق خفي للمال القادم من تل أبيب”.
أردوغان قالها في نوفمبر… لكن لم يوقّع
يذكّر طوفان بما صرّح به أردوغان في 4 نوفمبر 2024 خلال قمة منظمة التعاون الاقتصادي حيث قال: “أوقفنا تمامًا تجارتنا مع إسرائيل، وتنازلنا عن 9.5 مليارات دولار من حجم التبادل التجاري”.
غير أن طوفان ردّ قائلًا: “إذا كان هذا صحيحًا، فلماذا لا توقعون على بيان يكرّس هذا القرار؟ ألا يُفترض أن البيان يتماشى تمامًا مع ما تدّعون؟”
ازدواجية معايير وفقدان للمصداقية
يتهم طوفان الحكومة التركية بأنها تحاول كسب تعاطف الرأي العام المحلي بعبارات شعبوية حول فلسطين، لكنها في الحقيقة ترفض الالتزام بخطوات ملموسة دوليًا، حفاظًا على ما أسماه “شبكة العلاقات المصالحية مع تل أبيب”.
واختتم بقوله: “كفى متاجرة بغزة، أنتم لا تخشون الله ولا التاريخ. خطوطكم الحمراء ليست فلسطين، بل مصالحكم، وعقودكم، وصفقاتكم السرية”، على حد تعبيره.

