عاد ملف التسوية السياسية للقضية الكردية في تركيا إلى الواجهة مجدداً، مع تصاعد دعوات حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب الكردي لاتخاذ خطوات قانونية ملموسة تمهّد لإطلاق مسار سلام جديد، يتجاوز حدود التصريحات السياسية إلى إجراءات مؤسسية واضحة.
وجاءت هذه الدعوات في سياق احتفالات عيد نوروز، التي تحوّلت هذا العام إلى منصة سياسية تعبّر عن مطالب متقدمة تتعلق بإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمكوّن الكردي.
إسطنبول: دعوة إلى الانتقال من الخطاب إلى الفعل
في تجمع جماهيري واسع بساحة يني كابي في إسطنبول، شددت الرئيسة المشتركة للحزب تولاي حاتم أوغوللاري على ضرورة أن تتحول دعوات السلام إلى خطوات قانونية عملية، مؤكدة أن المرحلة الراهنة لم تعد تحتمل الاكتفاء بالشعارات.
وربطت حاتم أوغوللاري بشكل مباشر بين فرص تحقيق سلام دائم وبين وضع عبد الله أوجلان، زعيم حزب العمال الكردستاني المسجون، مشيرة إلى أن تحسين ظروفه ومنحه مساحة أوسع للحركة والعمل السياسي بات مطلباً مركزياً داخل الشارع الكردي، بل وأحد أبرز شعارات نوروز هذا العام.
أوجلان في قلب المعادلة: من السجن إلى الفاعلية السياسية
يُعد أوجلان، المؤسس التاريخي لـحزب العمال الكردستاني، أحد أبرز الفاعلين في هذا الملف رغم وجوده في سجن إمرالي منذ عام 1999.
وقد خاض الحزب منذ عام 1984 صراعاً مسلحاً مع الدولة التركية أسفر عن عشرات الآلاف من الضحايا، فيما تصنّفه أنقرة وحلفاؤها الغربيون تنظيماً إرهابياً.
في هذا السياق، ترى قيادات الحزب أن أي تسوية مستدامة لا يمكن أن تتحقق دون إعادة صياغة الوضع القانوني والسياسي لأوجلان، بما يسمح له بلعب دور مباشر في العملية التفاوضية.
فان: مطالب بتثبيت وضع قانوني واضح
في تجمع موازٍ بمدينة وان، أعاد الرئيس المشترك للحزب تونجر باكيرهان التأكيد على مطلب منح أوجلان “وضعاً رسمياً” محدداً، بدلاً من الوضع القائم الذي وصفه بأنه غير واضح من الناحية القانونية.
وأكد أن الشارع الكردي لا يطالب بوضع أمر واقع، بل بإطار قانوني صريح يحدد موقع أوجلان في أي عملية سياسية مقبلة.
حزمة مطالب أوسع: من الهوية إلى الحكم المحلي
لم تقتصر المطالب على ملف أوجلان، بل شملت مجموعة أوسع من الإصلاحات السياسية والدستورية، أبرزها الاعتراف الدستوري بالهوية الكردية، وترسيخ مبدأ المواطنة المتساوية، وضمان التعليم باللغة الأم، وتعزيز اللامركزية والديمقراطية المحلية.
كما طالب الحزب بإنهاء نظام تعيين “الأوصياء” على البلديات الكردية، والذي يتم بموجبه استبدال رؤساء البلديات المنتخبين بمسؤولين معينين من قبل الحكومة.
دور المعارضة: دعوة للمشاركة في الحل
دعت قيادات الحزب قوى المعارضة التركية إلى لعب دور أكثر فاعلية في صياغة حل سياسي للقضية الكردية، معتبرة أن هذا الملف لا يتعلق فقط بالتنافس على السلطة، بل بمستقبل الدولة وبنيتها السياسية.
سياق جديد بعد حلّ حزب العمال الكردستاني
تكتسب هذه المطالب أهمية إضافية في ظل التطورات الأخيرة، وعلى رأسها إعلان حزب العمال الكردستاني عام 2025 التخلي عن السلاح وحلّ نفسه، استجابة لدعوة أوجلان.
هذا التحول فتح الباب أمام مرحلة جديدة، وصفها قادة الحزب بأنها تتطلب “ضمانات قانونية” بدل الاكتفاء بالتفاهمات السياسية غير الملزمة.
فجوة بين الخطوات الكردية واستجابة الدولة
ترى قيادة الحزب أن الأطراف الكردية اتخذت خطوات ملموسة لإنهاء الصراع المسلح، في حين لم تُقابل هذه الخطوات بإجراءات موازية من جانب الحكومة التركية.
وفي هذا الإطار، دعت حاتم أوغوللاري إلى سنّ “قانون سلام”، وإلغاء نظام الأوصياء، والمضي في إصلاحات ديمقراطية شاملة.
البرلمان والتشريعات: تقدم جزئي وأسئلة معلّقة
على المستوى المؤسسي، أعدّت لجنة برلمانية تقريراً يتضمن مقترحات لتعديلات قانونية، شملت مراجعة قوانين مكافحة الإرهاب ووضع برامج لإعادة الاندماج.
غير أن التقرير لم يتطرق إلى قضايا حساسة، مثل إطلاق سراح السجناء السياسيين أو تحديد الوضع القانوني لأوجلان، ما أبقى الملفات الجوهرية دون حسم.
خلاصة
تعكس مطالب حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب انتقال القضية الكردية إلى مرحلة جديدة عنوانها البحث عن ضمانات قانونية شاملة بعد انتهاء العمل المسلح. لكن غياب استجابة حكومية مكافئة واستمرار القضايا العالقة يضع مسار السلام أمام اختبار حاسم بين الانفراج والتعثر.

