عاد ملف انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي ليتصدر النقاش السياسي بعد تصريحات متبادلة بين أنقرة ومؤسسات أوروبية، على خلفية اتهام وزير الخارجية التركي هاكان فيدان الاتحاد الأوروبي بتعطيل مسار العضوية لأسباب تتعلق بالهوية والدين والحضارة.
هذه المقاربة قوبلت برفض صريح من قبل مقرر البرلمان الأوروبي المعني بتركيا، الذي أكد أن جوهر الأزمة لا يرتبط بالانتماء الديني، بل بالمسار الديمقراطي المتراجع داخل البلاد.
البرلمان الأوروبي: الإشكالية ديمقراطية لا دينية
شدّد مقرر البرلمان الأوروبي لشؤون تركيا، ناتشو سانشيز أمور، على أن تصوير العقبات أمام انضمام أنقرة بوصفها ناتجة عن “سياسات الهوية” يُعد تبسيطًا مضللًا. وأوضح أن الإشكال الحقيقي يكمن في تراجع معايير الديمقراطية وسيادة القانون واحترام الحقوق الأساسية، مؤكدًا أن الاتحاد الأوروبي لا يتعامل مع تركيا من منظور ديني.
ولفت إلى أن الاتحاد الأوروبي يضم بالفعل عشرات الملايين من المسلمين، ما ينفي فكرة أن الدين يشكّل عائقًا مؤسسيًا أمام العضوية، مع إقراره في الوقت نفسه بوجود تيارات معادية للمسلمين وتركيا داخل بعض الساحات السياسية الأوروبية، لكنها – بحسبه – لم تكن العامل الحاسم في تجميد المسار الرسمي خلال السنوات الأخيرة.
خلفية التصريحات التركية
كان وزير الخارجية التركي قد صرّح في مقابلة إعلامية أن بلاده تواجه مقاربة أوروبية تقوم على التصنيف الحضاري والديني، معتبرًا أن هذا المنطق يمنع تركيا من التقدم في مسار الانضمام. هذه التصريحات أثارت ردود فعل داخل البرلمان الأوروبي، خصوصًا في ظل الجمود الطويل الذي يطبع مفاوضات العضوية.
مسار عضوية متوقف منذ سنوات
تعود صفة المرشح الرسمي لتركيا لعضوية الاتحاد الأوروبي إلى عام 1999، فيما بدأت مفاوضات الانضمام فعليًا في 2005. غير أن هذا المسار دخل مرحلة الشلل شبه الكامل منذ عام 2018، مع تأكيد مؤسسات الاتحاد مرارًا أن التراجع في مجالات الديمقراطية، وسيادة القانون، والحريات الأساسية هو السبب الجوهري لهذا التوقف.
وفي أحدث تقييماته، شدد البرلمان الأوروبي على أن عملية الانضمام يجب أن تبقى مجمّدة، في ظل غياب تقدم ملموس في هذه الملفات.
مشاهدات ميدانية: حقوق الإنسان في صلب الانتقادات
جاءت تصريحات مقرر البرلمان الأوروبي عقب زيارة وفد من اللجنة الفرعية لحقوق الإنسان إلى أنقرة وإسطنبول، حيث أجرى الوفد لقاءات مع مسؤولين حكوميين، نواب برلمانيين، منظمات مجتمع مدني، وممثلين عن الإعلام المستقل.
وخلال هذه الزيارة، برزت قضايا محددة بوصفها محورًا متكررًا للنقاش، في مقدمتها سياسة عزل رؤساء بلديات منتخبين واستبدالهم بموظفين تعيّنهم الدولة. ورغم تبرير السلطات لهذه الإجراءات باعتبارها جزءًا من مكافحة الإرهاب، رأى الوفد أن المبررات المقدمة تفتقر إلى اليقين القانوني، وتندرج في إطار قرارات سياسية، خصوصًا حين يُرفض تعيين بديل من الحزب الذي فاز في الانتخابات.
توتر سياسي وانتقادات متبادلة
أشار سانشيز أمور إلى أن الحكومة التركية تسعى إلى تصوير انتقادات البرلمان الأوروبي بوصفها منحازة، وهو ما لمسه الوفد خلال لقاءاته، ولا سيما من ممثلي حزب الحركة القومية، الشريك الرئيسي لحزب العدالة والتنمية الحاكم. واعتبر أن هذا الخطاب الدفاعي يعكس انعدام الثقة المتبادل بين الطرفين.
إصلاحات على الورق دون أثر فعلي
انتقد مقرر البرلمان الأوروبي ما وصفه بغياب الإرادة السياسية الحقيقية لتنفيذ إصلاحات مرتبطة بمعايير الاتحاد الأوروبي، معتبرًا أن حزم “إصلاح القضاء” المتكررة لم تنعكس تحسنًا ملموسًا في استقلالية القضاء أو أدائه.
وفي تقييمه العام، وصف وضع حقوق الإنسان في تركيا بأنه لا يزال في مستوى قاتم، مع استمرار الضغوط على حزب الشعب الجمهوري المعارض، والمنظمات غير الحكومية، والصحفيين، والمحامين، مشيرًا إلى أن هذا التوجه يتعمق ويُعاد تأطيره رسميًا ضمن سياسات مكافحة الإرهاب.
انتقاد الصمت الأوروبي الرسمي
لم يقتصر النقد على أنقرة، إذ وجّه سانشيز أمور ملاحظات حادة إلى المفوضية الأوروبية وجهاز العمل الخارجي الأوروبي، معتبرًا أن صمتهما إزاء التدهور الديمقراطي في تركيا يُضعف مصداقية الاتحاد لدى الفئات المؤيدة للديمقراطية داخل البلاد. وأوضح أن البرلمان الأوروبي بقي الجهة الأكثر صراحة، في حين ركزت المؤسسات التنفيذية على ملفات أخرى مثل الطاقة والتعاون العملي.
تعاون انتقائي ومسار منقسم
يأتي هذا الجدل في وقت يستمر فيه التعاون بين أنقرة وبروكسل في مجالات محددة كالهجرة، والتجارة، والأمن، رغم انسداد أفق العضوية. هذا التناقض يعكس واقعًا مزدوجًا، حيث تُفصل المصالح العملية عن ملف الانضمام الذي يبقى رهينة الإصلاحات السياسية.
الخلاصة
تؤكد مواقف البرلمان الأوروبي أن تجميد مسار انضمام تركيا لا يرتبط بالهوية أو الدين، بل باستمرار التراجع الديمقراطي وغياب الإصلاحات الجوهرية، في وقت يتعايش فيه الطرفان مع تعاون انتقائي لا يرقى إلى شراكة عضوية كاملة.

