يفضح تصاعد الاشتباكات الطائفية في جنوب سوريا بين الدروز والعشائر البدوية تآكل سلطة الدولة ويدفع الأهالي إلى تشكيل كيانات دفاع ذاتي، وسط تدخلات خارجية وتحذيرات لبنانية من انتقال العدوى الطائفية إلى الداخل.
اشتعال المواجهات في السويداء… الدولة تتراجع والفوضى تتقدم
تستمر المواجهات العنيفة في محافظة السويداء جنوب سوريا، رغم الإعلان عن اتفاق لوقف إطلاق النار وانسحاب القوات الحكومية من مناطق التوتر. ورغم دخول الهدنة حيّز التنفيذ، فإن الاشتباكات بين المقاتلين الدروز والعشائر البدوية السنّية لم تتوقف، ما أسفر عن عشرات القتلى والجرحى، ودمار واسع في البنية التحتية، ونزوح أكثر من 80 ألف مدني بحسب المنظمة الدولية للهجرة.
وتحوّلت مدينة السويداء إلى منطقة منكوبة، في ظل غياب تام لأي قوة رسمية قادرة على احتواء الانفجار الأمني، وهو ما يعكس تراجع سلطة الدولة أمام تصاعد النزاعات الطائفية والمناطقية.
ثانياً: من نزاع محلي إلى صراع قبلي… والسلاح عنوان المرحلة
اندلعت الشرارة الأولى للنزاع إثر عملية خطف طالت تاجر خضار درزياً، ما أدى إلى سلسلة من عمليات الخطف المتبادلة بين الدروز والبدو، لتتطور الأمور إلى مواجهات مسلحة مفتوحة شاركت فيها عشائر بدوية جاءت من مناطق سورية مختلفة، وخاصة من محافظة حماة، استجابة لنداءات دعم أبناء البدو في السويداء.
وأكد شيخ عشيرة علي العناد من ريف السويداء أن رجاله “جاؤوا لدعم إخوتهم البدو بعد الاستنجاد بهم”، مشيراً إلى أن النزاع بات يتجاوز الطابع المحلي إلى صراع قبلي/طائفي بامتياز.
المرصد السوري لحقوق الإنسان تحدث عن أكثر من 600 قتيل من الجانبين، بينهم مدنيون، مع تسجيل حرق للمنازل والمحلات في بلدة ولغا الدرزية التي باتت تحت سيطرة العشائر.
انهيار السلطة المركزية وتنامي “تنظيمات الدفاع الذاتي“
يرى تقرير نشرته صحيفة العرب اللندنية أن ما يحدث في السويداء ليس وليد لحظة طارئة، بل نتيجة تراكمات أمنية واجتماعية بدأت منذ سنوات، حيث كان السلاح متوفراً بكثرة، إلا أن الجديد اليوم هو تحول المجموعات المحلية إلى تنظيمات شبه عسكرية تسعى إلى فرض أمنها الذاتي في ظل انعدام ثقة كامل بالدولة السورية.
السلطات السورية حاولت التدخل لاحتواء الاشتباكات، إلا أن تدخلها – بحسب المرصد وشهود – تم لمصلحة العشائر البدوية، ما فاقم التوترات وعمّق الانقسام بين المكونات المحلية. وعقب تهديدات إسرائيلية مباشرة، أعلنت الرئاسة السورية سحب قواتها من السويداء لتفادي “حرب واسعة”، في وقت تتهم فيه دمشق إسرائيل بدعم غير مباشر للمقاتلين الدروز.
الدور الإسرائيلي… تدخل عسكري ومساعدات إنسانية
جاء انسحاب القوات الحكومية بعد تهديدات إسرائيلية متكررة بضرب مواقع عسكرية في حال استمرار انتشار قوات النظام جنوب سوريا، لا سيما بالقرب من السويداء، حيث تقطن غالبية الطائفة الدرزية. وقد نفذت إسرائيل بالفعل غارات استهدفت هيئة الأركان العامة ومحيط القصر الرئاسي في دمشق، دون تبنٍّ صريح لهجمات لاحقة.
وأعلنت وزارة الخارجية الإسرائيلية الجمعة عن إرسال مساعدات إنسانية إلى السويداء بقيمة600 ألف دولار، تشمل مواد غذائية وإمدادات طبية، في خطوة لافتة تعكس محاولة تل أبيب استثمار الأزمة لتعزيز نفوذها بين الدروز السوريين، الذين يبدون، وفق مراقبين، أكثر ميلاً نحو العزلة وربما التواصل مع إسرائيل كملاذ في ظل الانهيار الداخلي.
القلق اللبناني… هل تصل نار السويداء إلى جبل لبنان؟
مع تصاعد الأحداث في السويداء، يتزايد القلق في لبنان من انتقال عدوى الفتنة الطائفية إلى الداخل، خاصة أن الطائفة الدرزية اللبنانية ترتبط بعلاقات وثيقة مع نظيرتها في سوريا. وقد ظهرت دعوات علنية على مواقع التواصل ومن قبل سياسيين – بينهم النائب السابق وئام وهاب – تحث الشباب الدروز في لبنان على التوجه للقتال في سوريا.
في المقابل، جاء موقف مشيخة العقل في لبنان واضحاً برفض أي تحريض طائفي أو انجرار خلف المغامرات العسكرية، وهو ما أكده كل من الشيخ سامي أبي المنى والمفتي عبد اللطيف دريان في اتصال هاتفي مشترك، شددا فيه على “الروابط الأخوية” بين السنة والدروز ورفض أي تدخل خارجي قد يزيد الاحتقان.
وفي بيان حاسم، أكد الجيش اللبناني أنه لن يسمح بأي إخلال بالأمن أو تعكير للسلم الأهلي، مشيراً إلى الظروف “الاستثنائية” التي تمر بها البلاد، وعلى رأسها استمرار الانتهاكات الإسرائيلية ومخاطر الحدود المفتوحة مع سوريا.
تحذيرات من الداخل ونداءات من العشائر اللبنانية
أصدرت العشائر العربية في خلدة وجبل لبنان بياناً عبّرت فيه عن قلقها من انزلاق الأحداث إلى فتنة تهدد وحدة سوريا ولبنان، داعية إلى رفض الثأر والاصطفاف، والتأكيد على أن الحل لا يكون إلا من خلال المصالحة العادلة.
وحذرت العشائر من أن “أي شرارة فتنة هناك، ستشعل هشيم المنطقة كلها“، في وقت لا يحتمل فيه لبنان أي اهتزاز جديد، خاصة بعد التصعيد الأخير بين حزب الله وإسرائيل على الحدود الجنوبية.

