نشرت صحيفة “العرب”، مقرها لندن، تحليلا إخباريا حول الاحتجاجات التي تشهدها المدن التركية المختلفة، وعلى رأسها إسطنبول، تحت عنوان” احتجاجات غيزي أسوأ سيناريو لأردوغان تلهم المتظاهرين”، نوهت فيه بأن “الدعوات إلى المقاومة قد تطيح العقد الاجتماعي بين الأتراك وحكومتهم”.
تعيش تركيا على وقع توتر سياسي متصاعد بعد مرور ستة أيام على اعتقال رئيس بلدية إسطنبول، أكرم إمام أوغلو. رغم فرض السلطات قيودًا صارمة على التظاهرات، غير أن المحتجين أبدوا إصرارًا على تحدي هذه القيود، مما يزيد من احتمالات تفاقم الأزمة.
استلهام تجربة احتجاجات غيزي 2013
ذكرت صحيفة العرب أن الاحتجاجات الراهنة استحضرت مشاهد احتجاجات غيزي عام 2013، التي شكّلت تحديًا كبيرًا للرئيس رجب طيب أردوغان عندما كان رئيسًا للوزراء. بدأت التظاهرات آنذاك بمبادرة بيئية لمنع تدمير متنزه غيزي المجاور لساحة تقسيم، لكنها سرعان ما تحوّلت إلى احتجاجات واسعة ضد الحكومة. امتدت تلك التظاهرات إلى مختلف أنحاء البلاد، وأدت المواجهات مع الشرطة إلى سقوط قتلى وجرحى، قبل قمعها بشدة. ومنذ ذلك الحين، منعت السلطات أي تجمعات في ساحة تقسيم، وفرضت إجراءات أمنية مشددة حولها.
تحدي السلطات رغم الحظر
أشارت الصحيفة إلى أنه رغم الحظر الصارم الذي فرضته الحكومة التركية على التجمّعات منذ بداية الاحتجاجات الأخيرة، إلا أن آلاف المتظاهرين يتوافدون يوميًا إلى محيط بلدية إسطنبول، مرددين شعارات مستوحاة من احتجاجات غيزي، مثل: “ساحة تقسيم في كل مكان، المقاومة في كل مكان!”. وأفادت الصحيفة أن زعيم حزب الشعب الجمهوري، أوزغور أوزيل، برز كأحد الشخصيات المحورية في هذه الاحتجاجات، حيث دعو المحتجين إلى التجمع كل مساء، مطالبين بالمضي قدمًا نحو ساحة تقسيم.
موقف السلطات وردود الفعل الدولية
تؤكد التحليلات أن أردوغان يرى في الاحتجاجات تهديدًا مباشرًا لسلطته، مما يدفعه إلى اتخاذ تدابير صارمة لمنعها من التمدد. ويرى آرون شتاين، مدير معهد أبحاث السياسة الخارجية، أن تجربة 2013 دفعت الرئيس التركي إلى تشديد موقفه من أي احتجاجات مستقبلية، وهو ما يفسر النهج القمعي الحالي. أما المحلل السياسي سيركان دميرطاش، فيرى أن أردوغان يرفض الاحتجاجات ليس فقط لأنها تهدد صورته كقائد قوي، بل لأنه “لا يؤمن بالديمقراطية كمسار سياسي فعلي”، وفق ما نقلته الصحيفة.
انعكاسات الاحتجاجات على المشهد السياسي
تختلف طبيعة الاحتجاجات الحالية عن تلك التي اندلعت عام 2013، حيث كانت الأخيرة تحرّكًا شعبويًا غير مرتبط بحزب سياسي محدد، بينما تحظى التظاهرات الحالية بدعم مباشر من المعارضة، مما قد يمنحها تأثيرًا أكبر على توازن القوى السياسية في البلاد. ونقلت الصحيفة عن العازفة التركية أليف (36 عامًا) التي شاركت في التظاهرات، قولها بأن “الاحتجاجات في 2013 لم تكن ذات طابع حزبي، بل كانت انتفاضة شعبية ضد السلطة”.
تأثير الأزمة على الاقتصاد التركي
لم تقتصر تداعيات الاحتجاجات على المشهد السياسي، بل امتدت إلى الاقتصاد التركي، حيث انعكس التوتر السياسي على أداء الأسواق المالية. فور الإعلان عن اعتقال إمام أوغلو، شهدت الليرة التركية انخفاضًا في قيمتها أمام الدولار، كما تراجعت مؤشرات البورصة، مما يعكس حالة القلق بين المستثمرين. ويحذر خبراء اقتصاديون من أن استمرار الأزمة السياسية قد يؤدي إلى تراجع ثقة المستثمرين الأجانب، مما يؤثر على تدفقات رأس المال والاستثمارات المباشرة في تركيا.
إمام أوغلو: زعيم صاعد يهدد هيمنة أردوغان
برز أكرم إمام أوغلو كواحد من أبرز رموز المعارضة التركية، ويُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره المنافس الأبرز لأردوغان في الانتخابات الرئاسية المقبلة عام 2028. ومنذ فوزه برئاسة بلدية إسطنبول عام 2019، استطاع أن يحظى بشعبية واسعة بين مختلف شرائح المجتمع التركي، بما في ذلك الأكراد والقوميون والعلمانيون، بل وحتى بعض الفئات المتدينة. ويرى محللون أن اعتقاله قد يعزز مكانته السياسية، ويدفع المزيد من الناخبين إلى دعم المعارضة في الانتخابات المقبلة، سواء عبر التصويت لصالحه في حال ترشحه، أو من خلال دعم مرشح بديل يمثل المعارضة.
هل يعيد أردوغان استراتيجياته القديمة؟
يرى المؤرخ دوغان غوربينار، كما ورد في صحيفة العرب، أن أردوغان استغل الاحتجاجات لصالحه، عبر تحويلها إلى معارك ثقافية تزيد من استقطاب المجتمع، مما يساعده في تعزيز قاعدته الشعبية. غير أن غوربينار يشكك في قدرة الرئيس التركي على تكرار هذا التكتيك بنجاح هذه المرة، نظرًا لتراجع قاعدته الاجتماعية بشكل كبير منذ 2013. كما أن الأزمة الحالية تتجاوز الأبعاد الثقافية، إذ إنها تعكس “ظلما سياسيًا عميقًا”.
السيناريوهات المحتملة
في حال إدانة إمام أوغلو بعد استكمال التحقيقات، وهو احتمال مرجح، فقد تشهد تركيا موجة تصويت عقابي ضد حزب العدالة والتنمية الحاكم، حيث قد تتجه أصوات الناخبين لصالح مرشح المعارضة بغض النظر عن هويته. كذلك، قد يؤدي استمرار الاحتجاجات إلى تصعيد التوتر بين الحكومة والمعارضة، مما يزيد من حدة الاستقطاب السياسي. أما على الصعيد الاقتصادي، فإن استمرار التوتر قد يدفع المستثمرين إلى إعادة تقييم مخاطر السوق التركية، مما قد يؤدي إلى تباطؤ في تدفقات الاستثمارات الأجنبية.
يمثل اعتقال إمام أوغلو اختبارًا كبيرًا للحكومة التركية، حيث تواجه احتجاجات واسعة تعيد إلى الأذهان أحداث غيزي 2013. ومع تصاعد الغضب الشعبي ودعم المعارضة، فإن الاحتقان السياسي قد يؤدي إلى تداعيات أوسع على المشهد السياسي والاقتصادي في البلاد. وبما أن إمام أوغلو يُعد المنافس الأبرز لأردوغان، فإن مستقبله السياسي قد يكون أحد العوامل الحاسمة في تحديد ملامح المرحلة المقبلة.

