بقلم: ياوز آجار
تصريح السيناتور الأمريكي ماركو روبيو “زعماء العالم يتوسّلون للقاء ترامب”، أعاد فتح جرحٍ قديم في الذاكرة التركية. فهو لم يكن مجرد جملة عابرة في مقابلة تلفزيونية، بل طعنة مقصودة في خاصرة الرئيس رجب طيب أردوغان، تُذكّر الأتراك برسالة ترامب الشهيرة عام 2019 التي خاطبه فيها بعبارة: ” لا تكن أحمق”. المعارضة رأت فيها إهانة للكرامة الوطنية، بينما حاولت السلطة أن تتصرّف كأن شيئًا لم يكن.
زعامة صلبة أم صورة تذكارية؟
يقف أردوغان عند مفترق عسير: في الداخل يقدّم نفسه بصورة “القائد القوي”، وفي الخارج يبحث عن شرعية يهبها له ترامب. لكن المفارقة أن ترامب نفسه لم يتردّد في أن يغمز من قناته قائلًت: “لا أحد يعرف مثله الانتخابات المزورة”. وهكذا، يتحوّل “لقاء القوة” في واشنطن إلى مشهد باهت يكون فيه الرئيس التركي مجرّد عنصر ديكور على مسرح ترامب.
“الفضيحة الثانية”
إذا كانت رسالة 2019 لم تُمحَ من الذاكرة بعد، فإن كلمات روبيو جاءت لتفتح الجرح من جديد. لذلك وصفت المعارضة صمت أردوغان هذه المرّة بأنه “فضيحة ثانية”، لأن القضية لم تعد مجرّد إساءة شخصية، بل تحوّلت إلى مقام تركيا وهيبتها وقد صارت ورقة تُصرف على طاولة السياسة كأوراق القمار.
وجهان للشرعية
السفير الأمريكي توم باراك لخص المشهد بلا مواربة: “ترامب يريد أن يمنح أردوغان الشرعية التي يحتاجها”. لكن أي شرعية هذه؟ أهي شرعية داخلية متآكلة بفعل أزمة اقتصادية خانقة وقمع سياسي يطاول كل معارض، أم شرعية خارجية تُختزل في صورة على درج البيت الأبيض؟ كما تقول الباحثة غونول طول: أردوغان يبدّد ما تبقّى من الديمقراطية في الداخل، ثم يلبس قناع “الزعيم العالمي” في المحافل الدولية.
عنصر توازن أم نبات زينة؟
كان رجل الاستخبارات التركي الراحل ماهر كايناك يقول: “من يكون عنصر توازن بين قوتين عظيمتين يغدو قوة بحد ذاته”. غير أن أردوغان، بدل أن يكون قوة قائمة بذاتها، غدا في نظر كثيرين طالبَ شرعية عند أبواب الغرب، يروّج ثروات بلاده تحت الأرض وفوقها كسلعة في بازار السياسة. وليس غريبًا أن يصفه الصحفي المخضرم ممدوح بايرقدار أوغلو بمرارة: “نبات زينة في عرض ترامب”.
أزمة ممتدة لا جدل عابر
إن كلمات روبيو ليست مجرّد مناوشة دبلوماسية عابرة، بل انعكاسٌ لأزمة شرعية متجذّرة: في الداخل اقتصاد متداعٍ ومعارضة مكبّلة، وفي الخارج سعي محموم إلى انتزاع الاعتراف عبر الصور والابتسامات. غير أن سؤالًا يبقى معلّقًا: كم يدوم عُمر شرعية تُستورد من الخارج ولا تنبع من إرادة الشعب الحرّة؟

