بعد عقد من الحرب التي دمّرت البنية التحتية وحوّلت البلاد إلى ساحة صراع إقليمي ودولي، بدأت سوريا فصلاً جديداً في تاريخها السياسي والاقتصادي، معلنةً عن تحوّلها من بيئة طاردة إلى وجهة جاذبة للاستثمار. هذا التحوّل، كما يؤكد الرئيس السوري أحمد الشرع، لم يكن ليتحقق لولا الدعم السعودي، الذي وصفه بـ “المفتاح الذي أعاد فتح أبواب العالم أمام سوريا”.
الدعم السعودي… جسر العودة إلى العالم
في كلمة ألقاها خلال مشاركته ضيفاً خاصاً في النسخة التاسعة من منتدى “مبادرة مستقبل الاستثمار” الذي تستضيفه العاصمة الرياض ويختتم أعماله اليوم، كشف الشرع عن تدفق استثمارات بلغت قيمتها نحو 28 مليار دولار منذ سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر الماضي، مشيراً إلى أن شركات سعودية كبرى بدأت فعلاً بضخ رؤوس أموالها داخل سوريا.
وأكد الرئيس السوري أن بلاده تمتلك فرصاً “واسعة ومتنوعة” في مجالات الاقتصاد والبنى التحتية والطاقة، داعياً المستثمرين إلى اغتنام “الفرصة التاريخية” في مرحلة إعادة الإعمار، مشدداً على أن “الفرص في سوريا تتسع للجميع”.
التحولات الاقتصادية وإعادة بناء الدولة
تأتي هذه التصريحات في ظل انطلاق عملية إعادة الإعمار بعد أكثر من عقد من الدمار الذي خلّفته الحرب الأهلية، حيث تشير تقديرات البنك الدولي الأخيرة إلى أن تكلفة إعادة بناء الاقتصاد السوري قد تصل إلى 216 مليار دولار.
سوريا التي عاشت سنوات من العقوبات والعزلة الاقتصادية، تحاول اليوم استعادة موقعها كمركز تجاري إقليمي، مستفيدة من موقعها الجغرافي الذي يربط آسيا بأوروبا. الشرع وصف بلاده بأنها “ستكون مركزاً حيوياً لنقل البضائع والتجارة”، مشدداً على أن “العالم كله سيستفيد من سوريا الجديدة”.
الدبلوماسية السعودية تعيد دمشق إلى الخارطة
توجُّه الرياض في الأشهر الأخيرة لتطبيع العلاقات مع دمشق شكّل نقطة التحوّل الأبرز في عودة سوريا إلى المشهد الدولي. فبعد انتهاء الحرب الأهلية في أواخر العام الماضي، احتضنت السعودية القيادة السورية الجديدة، وفتحت قنوات التعاون السياسي والاقتصادي معها.
زيارة الشرع الأولى خارج بلاده كانت إلى المملكة في فبراير الماضي، أعقبها لقاء تاريخي جمعه بولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس الأميركي دونالد ترامب، بوساطة سعودية، انتهى بإقناع واشنطن برفع العقوبات المفروضة على دمشق.
وخلال يوليو الماضي، وُقّعت صفقات استثمارية وشراكات سعودية-سورية بقيمة 6.4 مليارات دولار، ركّزت على قطاعات إعادة الإعمار والبنية التحتية والطاقة. كما أطلقت المملكة “ممراً إنسانياً” نحو سوريا، ساهم منذ فبراير في إرسال مئات الأطنان من المساعدات الطبية والغذائية ومعدات إعادة البناء.
البعد الإنساني والتنموي للدعم الخليجي
إلى جانب الاستثمارات، برزت المبادرات الإنسانية السعودية بوصفها جزءاً من مقاربة أشمل لإعادة بناء المجتمع السوري. فقد شارك أطباء سعوديون في تنفيذ عمليات جراحية معقدة، بينها عمليات القلب المفتوح وزراعة القوقعة للأطفال، في مناطق مختلفة من البلاد.
وفي أبريل الماضي، أعلنت السعودية وقطر عن التزامهما بتسديد 15 مليون دولار من ديون سوريا المستحقة للبنك الدولي، في خطوة اعتُبرت تمهيداً لعودة النظام المالي السوري إلى الأسواق الدولية.
الشرع: من “الدولة المصدّرة للأزمات” إلى “منطقة الفرص”
الرئيس الشرع أقرّ بأن السنوات السابقة “جرّبت فيها سوريا أن تكون بلداً مضطرباً مولداً للأزمات ومصدّراً للمهاجرين والمخدرات”، في إشارة إلى تجارة الكبتاغون التي اعتمد عليها النظام السابق. لكنه شدد على أن تلك المرحلة “انتهت إلى غير رجعة”، مؤكداً أن بلاده تسير نحو “نموذج اقتصادي وأمني جديد”.
وأشار إلى عودة أكثر من مليون لاجئ من الخارج، إلى جانب نحو ضعف هذا العدد من النازحين الداخليين الذين عادوا إلى بلداتهم ومدنهم، بحسب تقديرات الأمم المتحدة.
انفتاح دبلوماسي واسع واستعادة الثقة الدولية
تزامناً مع التحولات الاقتصادية، بدأ الشرع جولة دبلوماسية عالمية شملت عدداً من العواصم الكبرى، بما في ذلك موسكو، التي كانت الداعم العسكري الأبرز للنظام السابق. ويهدف هذا الحراك إلى استقطاب الدعم المالي والسياسي لإعادة دمج سوريا في النظام الدولي بعد أكثر من عقد من العزلة.
ويرافق الشرع في زيارته الحالية إلى الرياض وفد وزاري رفيع يضم وزراء الخارجية والاقتصاد والاستثمار والاتصالات، في مؤشر إلى الأهمية التي توليها دمشق لعلاقاتها الجديدة مع المملكة.
التحوّل السوري الراهن يعكس مساراً جديداً في علاقة دمشق بالعالم، حيث تمثل الرياض بوابة العودة إلى النظامين العربي والدولي، فيما يبدو أن الدعم السعودي، الاقتصادي والإنساني والسياسي، قد فتح صفحة جديدة في تاريخ سوريا ما بعد الحرب.
قوة السعودية الناعمة
يذكر أن الاقتصاد أصبح في القرن الحادي والعشرين أحد أكثر أدوات القوة الدبلوماسية تأثيراً في صياغة موازين النفوذ بين الدول، إذ لم يعد مقتصراً على كونه وسيلة للتنمية، بل تحول إلى أداة استراتيجية لتوسيع الحضور الإقليمي والدولي. وفي هذا الإطار، برزت السعودية كأحد أبرز الفاعلين في توظيف قوتها الاقتصادية لبناء شبكات نفوذ وشراكات عالمية متقدمة. فبفضل رؤيتها التنموية واستثماراتها العابرة للحدود، باتت الرياض تجمع بين الاقتصاد والدبلوماسية في معادلة متوازنة تمنحها مكانة محورية في رسم ملامح النظام الإقليمي الجديد.

