في خطوة غير متوقعة، قام وزير الخارجية التركي هاكان فيدان بزيارة رسمية إلى العاصمة الأمريكية واشنطن، حيث التقى كبار المسؤولين في الإدارة الأمريكية، وشارك بشكل مقتضب في اجتماع جمع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بنظيره السوري الجديد أحمد الشرع، في إشارة إلى انخراط أنقرة المتزايد في الدبلوماسية الإقليمية الخاصة بسوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد أواخر العام الماضي.
البيان الصادر عن وزارة الخارجية التركية اكتفى بالإعلان عن الزيارة دون تفاصيل حول جدول الأعمال أو المشاركين، ما فتح باب التكهنات في أنقرة بشأن توقيت اللقاء وأهدافه الخفية، خصوصاً أنه يأتي في لحظة حساسة من إعادة تشكيل موازين القوى في المشرق العربي.
لقاءات رفيعة ومناقشات حول مستقبل سوريا والعقوبات
خلال زيارته، عقد فيدان سلسلة اجتماعات شملت وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، والمبعوث الرئاسي للشرق الأوسط ستيف ويتكوف، والسفير الأمريكي لدى أنقرة والمبعوث الخاص إلى سوريا توم باراك، إضافة إلى نائب الرئيس الأمريكي جي. دي. فانس.
وفي تصريحات للصحفيين من السفارة التركية في واشنطن، أوضح فيدان أن المحادثات ركزت على ملفات متعددة أبرزها التعاون الثنائي في إعادة إعمار سوريا وضمان وحدة أراضيها واستقرارها الأمني، إلى جانب مناقشة آليات رفع العقوبات المفروضة بموجب “قانون قيصر” لعام 2019، الذي فرضته واشنطن على النظام السوري السابق بسبب ارتكابه جرائم حرب.
وأشار الوزير التركي إلى أن الجانبين بحثا بالتفصيل “الطرق الممكنة لإدارة المناطق الجنوبية والشمالية من سوريا بشكل أكثر استقراراً”، مؤكداً أن أنقرة باتت تركز على إيجاد صيغة تتيح رفعاً تدريجياً للعقوبات الأمريكية من أجل تنشيط الاقتصاد السوري المنهك.
اللقاء الثلاثي: ترامب والشرع وفيدان
من بين أبرز مشاهد الزيارة، كان انضمام فيدان جزئياً إلى اجتماع البيت الأبيض الذي جمع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بنظيره السوري أحمد الشرع، وهي المرة الأولى منذ استقلال سوريا عام 1946 التي يزور فيها رئيس سوري البيت الأبيض.
وأكد فيدان أنه نقل إلى الرئيس ترامب تحيات الرئيس رجب طيب أردوغان، مشيراً إلى أن اللقاءات اتسمت بأجواء “بناءة وودية”، وأن مواقف ترامب تجاه مستقبل سوريا “أقرب إلى الطرح التركي وأكثر واقعية من المراحل السابقة”.
الشرع، الذي أطاح بنظام الأسد في ديسمبر الماضي بعد حرب استمرت لسنوات، يسعى إلى إعادة بلاده إلى المشهد الدولي عبر خطاب أكثر اعتدالاً وانفتاحاً على القوى الغربية. وقد سبقت زيارته إلى واشنطن مشاركته التاريخية في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر، حيث دعا إلى “سلام شامل وإعادة إعمار وطنية بمشاركة الجميع”.
شطب “تحرير الشام” من لوائح الإرهاب وتحول الصورة السورية
يأتي هذا التقارب الأمريكي السوري بعد سلسلة تحولات بارزة، أبرزها شطب “هيئة تحرير الشام” من قائمة التنظيمات الإرهابية الأمريكية في يوليو الماضي، وهي الجماعة التي كان الشرع على رأسها خلال مراحلها الأولى قبل أن يعلن انفصاله عنها مع توليه السلطة في يناير من العام الجاري.
وبحسب مصادر دبلوماسية، فإن هذه الخطوة فتحت الباب أمام إعادة تعريف العلاقات بين دمشق وواشنطن، كما مهدت لإطلاق حوار إقليمي أوسع بمشاركة تركيا، التي باتت من أوائل الدول الداعمة لحكومة الشرع الجديدة.
الشرع زار أنقرة أكثر من مرة هذا العام، وسط مؤشرات متصاعدة على وجود تفاهمات أمنية واقتصادية بين الطرفين تتعلق بإعادة اللاجئين وإدارة الحدود الشمالية.
الملفات الإقليمية: من غزة إلى أوكرانيا وإيران
على هامش الزيارة، عقد فيدان اجتماعات إضافية مع ويتكوف وباراك، خُصصت لمناقشة آليات تنفيذ وقف إطلاق النار في غزة المعلن في أكتوبر الماضي، إلى جانب تطورات الحرب الروسية الأوكرانية، وملف البرنامج النووي الإيراني.
وأوضح الوزير التركي أن أنقرة نقلت إلى الجانب الأمريكي “رؤية الرئيس أردوغان” بشأن سبل إنهاء الحرب في أوكرانيا عبر تسوية سياسية، مؤكداً أن واشنطن أبدت اهتماماً خاصاً بالمبادرة التركية التي تطرح مقاربة متعددة المسارات تشمل الأمن الغذائي والطاقة واللاجئين.
البعد الجيوسياسي للزيارة: أنقرة بين واشنطن ودمشق
تأتي زيارة فيدان في لحظة دقيقة من إعادة ترتيب موازين القوى في الشرق الأوسط بعد سقوط الأسد وتغير التحالفات التقليدية.
أنقرة تسعى إلى ترسيخ موقعها كـ“وسيط إقليمي لا غنى عنه” في ملف إعادة إعمار سوريا وتطبيع علاقاتها مع الغرب، بينما تحاول واشنطن الاستفادة من الانفتاح التركي على الشرع لتقويض النفوذ الإيراني والروسي في الساحة السورية.
وبحسب مراقبين، فإن الحراك التركي الأخير يعكس استراتيجية جديدة تقوم على “الواقعية المرنة”، إذ تجمع بين الحفاظ على المصالح الأمنية في الشمال السوري وبين الانفتاح على مسار سياسي دولي جديد يتجنب عودة الفوضى أو تجزئة البلاد.
خلاصة المشهد الدبلوماسي
تكشف زيارة وزير الخارجية التركي إلى واشنطن ومشاركته في اللقاء الأمريكي–السوري عن تحوّل نوعي في السياسة الخارجية لأنقرة، التي باتت تتحرك على خطوط متوازية بين واشنطن ودمشق لإعادة تعريف نفوذها في المنطقة.
وفي الوقت ذاته، تشير المحادثات حول رفع العقوبات وإعادة الإعمار إلى بداية مرحلة جديدة من “التطبيع الحذر” بين القوى المتصارعة على الأرض السورية.

