في مقابلة مع قناة (KHK) التركية التي أسسها المفصولون بقرارات حالة الطوارئ، وجه حسين جليك، أحد مؤسسي حزب العدالة والتنمية ووزير التعليم الوطني السابق، انتقادات حادة للنظام القضائي في تركيا، مؤكدًا أن البلاد لم تعد دولة قانون، وأن الحديث عن استقلال القضاء لا يتجاوز كونه مجرد وهم على الورق.
وتطرق جليك في المقابلة خصيصا إلى وضع جهاز القضاء في البلاد بعد التغييرات الجذرية التي جرت عقب محاولة الانقلاب الفاشلة قائلا: “لقد أصبح الحزب (العدالة والتنمية) هو الدولة، والدولة أصبحت الحزب، وهذه كارثة حقيقية.”
وأضاف جليك: “للأسف، أنشأنا قضائنا المسيس، وكما كان هناك قضاء مسيس في عهد الكماليين، أصبح لدينا الآن قضاؤنا المسيس الخاص بنا. من كان مظلومًا في الماضي، أصبح اليوم ظالمًا بعد أن وصل إلى السلطة، وهذا أمر مروع.”
قضاء ما بعد انقلاب 2016: محاكم الاستقلال الجديدة!
انتقد جليك المحاكمات التي أعقبت محاولة الانقلاب في 15 يوليو 2016، معتبرًا أن النظام القضائي الجديد يعمل بطريقة أقرب إلى محاكم الاستقلال التي تأسست في بدايات الجمهورية التركية، والتي كانت تفتقر إلى أبسط معايير العدالة، مثل حق الدفاع. وقال: “ما يسمى بقضاء 15 يوليو 2016 ليس قضاءً حقيقيًا، بل هو أشبه بمحاكم الاستقلال التي عملت كمقصلة، حيث يتم إصدار الأحكام دون ضمانات قانونية حقيقية.”
وأشار جليك إلى أن مفهوم “الارتباط والصلة” (الصلة بحركة الخدمة أو حركة كولن) الذي أصبح معيارًا لتصنيف الأشخاص ومعاقبتهم، ليس له أي أساس قانوني، بل هو مفهوم فضفاض يستخدم بطريقة تعسفية للإدانة دون أدلة قاطعة. وأضاف: “لم يكن المستهدفون فقط هم المفصولون بقرارات الطوارئ، بل امتدت العقوبات إلى عائلاتهم وأطفالهم أيضًا.”
ازدواجية المعايير في النظام القضائي
تحدث جليك عن التناقضات الصارخة في تطبيق القانون، مشيرًا إلى قضية عبد الله أوجلان، زعيم حزب العمال الكردستاني المحظور الذي يطرح البعض إمكانية الإفراج عنه، في حين تبقى شخصيات مسنة ومرضى في السجون بسبب قضايا سياسية. وقال متسائلا: “كيف يُترك أشخاص مثل ملك إيبك، وهي امرأة مسنة تعاني من أمراض مزمنة، في السجون، (بتهمة الصلة بحركة الخدمة) بينما يتم الحديث عن الإفراج عن أوجلان المسؤول عن مقتل عشرات الآلاف من الأرواح؟ هذا أمر لا يمكن قبوله.”
استغلال الدين في السياسة
أعرب جليك عن استيائه من استغلال القيم الدينية في السياسة، قائلًا: “عندما يرتكب شخص عادي خطأً، فذلك شأنه، لكن عندما يرفع شخص راية الدين، ويتحدث عن الله والنبي والقرآن دائما، ثم ينغمس في الظلم، فإنه لا يضر فقط المسلمين، بل يضر الإسلام ذاته.”
وتابع جليك: “عندما تأسس حزب العدالة والتنمية، كان يُنظر إليه على أنه حزب الشعب، لكنه اليوم أصبح حزب الدولة، والدولة نفسها تحولت إلى كيان حزبي. وهذا مؤشر على أن الحزب يسير نحو نهايته المحتومة.”
الأمل في المستقبل
على الرغم من هذه الصورة القاتمة، أصر جليك على أنه لا يفقد الأمل في مستقبل أكثر عدالة، مؤكدًا أن الظلم لا يدوم إلى الأبد.
وأعرب جليك عن أمله قائلا: “كما أن الشتاء ينتهي بالربيع، فإن الظلام لا بد أن يعقبه فجر مشرق. يجب على كل المظلومين السعي وراء حقوقهم ضمن إطار القانون والشرعية، دون اللجوء إلى العنف أو الطرق غير القانونية. هذا هو الطريق الوحيد المتاح لاستعادة العدالة.”
خلفية الاتهامات ضد حركة الخدمة
بدأ الرئيس رجب طيب أردوغان يستهدف أتباع حركة الخدمة التي تستوحي فكر فتح الله كولن الراحل عقب تحقيقات الفساد في ديسمبر 2013، التي تورط فيها ثلاثة وزراء وأبناؤهم وأفراد من عائلة أردوغان، لكن الأخير وصف تلك التحقيقات بأنها مؤامرة قضائية من قِبل الحركة للإطاحة بحكومته، واتجه منذ ذلك الحين إلى تصنيفها كمنظمة إرهابية “إعلاميا”، ثم استصدر في 2016 قرارا “رسميا” لوصفها بالإرهابية، حيث اتهمها هذه المرة بالوقوف وراء محاولة الانقلاب الفاشلة.
غير أن الحركة نفت كل هذه الاتهامات ووصفت الأحداث الفوضوية في ليلة الانقلاب بـ”الحرب النفسية” و”عمليات الراية المُزيفة” (false flag) يقف وراءها أردوغان نفسه ليتمكن من خلق أرضية لاتهاماته الجاهزة، ووصم الحركة بالإرهابية، وبالتالي تصفية الجنرالات المعارضين لمشاريعه العسكرية في سوريا وعموم العالم العربي والإسلامي، بتهمة الانتماء إلى هذه المنظمة الإرهابية المزعومة.
يذكر أن مصطلح “الراية المزيفة” يُستخدم لوصف عمليات سرية تُنفذها جهة معينة بحيث يتم إخفاء الهوية الحقيقية للمنفذين وتوجيه التهمة لمجموعة أو دولة أخرى، بهدف خلق انطباع بأن الطرف الذي تم اتهامه زورًا هو من قام بالعمل، وذلك لتحقيق أهداف عسكرية أو سياسية أو استخباراتية. تُستخدم هذه الاستراتيجية في الغالب للتأثير على الرأي العام أو لتبرير أفعال وعمليات معينة لا يسمح لها الدستور والقوانين ولا يسوغها الجمهور في العادة.
وكان أردوغان قال صراحة عقب إعلانه حالة الطوارئ في البلاد بعد أسبوع من إحباط ما سمي بمحاولة الانقلاب الفاشلة بدعوى التصدي لـ”الانقلابيين”: “لقد حصلنا في ظل حالة الطوارئ على القدرة والإمكان من أجل تنفيذ كثير من الإجراءات التي لا يمكن أن نجريها في الظروف والأوقات العادية”، على حد قوله.
الإجراءات التي أعقبت الانقلاب
أعلنت الحكومة حالة الطوارئ بعد محاولة الانقلاب، وأصدرت مراسيم طارئة أدت وفقًا لوزارة العدل التركية إلى فصل أكثر من 130,000 موظف حكومي، بالإضافة إلى 24,706 من أفراد القوات المسلحة، إلى جانب عشرات الآلاف من المدنيين، بزعم ارتباطهم بـ”منظمات إرهابية”، علمًا أن هذه المراسيم لم تخضع لأي رقابة قضائية أو برلمانية.
وخلال السنوات الأخيرة، خضع أكثر من 705,172 شخصًا، الأغلبية الساحقة منهم مدنيون، لتحقيقات بتهم تتعلق بالإرهاب أو محاولة الانقلاب بسبب علاقتهم المزعومة بالحركة. وبلغ عدد المعتقلين حاليا في قضايا مرتبطة بالحركة حوالي 13,251 شخصًا، بين محتجزين على ذمة المحاكمة أو مدانين بتهم الإرهاب.
بين يونيو 2023 ويونيو 2024 فقط، نفذت السلطات التركية 5,543 عملية أمنية، أسفرت عن اعتقال 1,595 شخصًا على صلة بالحركة، علمًا أن هذه الأرقام تتغير بشكل مستمر نظرا لاستمرار العمليات، حيث أفاد مركز ستوكهولم للحرية أن السلطات التركية اعتقلت خلال الأسبوع الماضي 200 شخص بسبب صلاتهم المزعومة بالحركة.
بالإضافة إلى أعداد المعتقلين، هناك أكثر من 100 حالة وفاة مشبوهة، زعمت السلطات أنها انتحار، كما اضطر العديد من أتباع الحركة إلى الفرار من تركيا هربًا من حملات القمع المستمرة يوميا، وتعرض بعضهم لحالات مأساوية في الطريق، بينها الوفاة بسبب الغرق في مياه النهر أثناء العبور إلى الجانب اليوناني تمهيدا للوصول إلى مكان آمن في إحدى دول العالم.

