تقرير: ياوز أجار
في خضم تصاعد التوتر بين القاهرة وواشنطن بشأن مقترح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة، أعربت الإمارات عن دعمها الثابت للموقف المصري، مؤكدة رفضها القاطع لأي محاولات لفرض حلول غير عادلة على الفلسطينيين.
خلال اتصال هاتفي مع وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، شدد رئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان على أهمية تحقيق سلام شامل وعادل يضمن الأمن والاستقرار في المنطقة، وفقًا لحل الدولتين. كما أكدت وكالة أنباء الإمارات (وام) أن الدولة ترفض أي محاولة لتهجير الفلسطينيين أو الانتقاص من حقوقهم التاريخية.
ويرى مراقبون أن هذا الموقف الإماراتي يأتي كدعم واضح لمصر في لحظة حرجة، إذ تواجه القاهرة ضغوطًا متزايدة من إدارة ترامب التي تسعى لفرض خطتها المثيرة للجدل. وفي الوقت ذاته، تتجه الأنظار إلى السعودية ودورها المحتمل في تقديم دعم مماثل لمصر، في سياق موقف خليجي موحّد يرفض مخطط التهجير باعتباره تهديدًا للأمن القومي العربي بأسره، وليس فقط لمصر أو الأردن.
وفي خطوة تعكس هذا التوجه، صرّح سفير الإمارات في واشنطن، يوسف العتيبة، بأن النهج الأمريكي تجاه قضية غزة يتسم بالتعقيد، لكنه أشار إلى إمكانية استمرار الحوار والتنسيق بين البلدين رغم الاختلافات الجوهرية حول هذا الملف.
مصر تضع خطوطًا حمراء في مواجهة الضغوط الأمريكية
وفقًا لمصادر أمنية مصرية، ربط الرئيس عبد الفتاح السيسي زيارته المرتقبة إلى واشنطن بعدم تضمين خطة تهجير الفلسطينيين في جدول المباحثات، في رسالة واضحة تعكس موقفًا مصريًا حازمًا بأن هذا المشروع يمسّ الأمن القومي لمصر ويقوّض استقرار المنطقة.
وتؤكد أوساط سياسية مصرية أن القاهرة ثابتة على مواقفها المعلنة ضد التهجير، وأن الحديث عن إمكانية خضوعها للضغوط الأمريكية مجرد شائعات لا تستند إلى حقائق. ويدلّ تلويح السيسي بعدم زيارة واشنطن على استراتيجية مصرية تهدف إلى تفادي أي إحراج دبلوماسي خلال لقائه بترامب، لا سيما مع إصرار الأخير على الترويج لمقترحه رغم الرفض العربي القاطع.
وفي هذا السياق، نقلت صحيفة “وول ستريت جورنال” عن مسؤولين مصريين أن السيسي يشعر بالقلق حيال التداعيات السياسية لزيارة واشنطن في ظل الضغوط الأمريكية، خاصة مع استمرار ترامب في طرح فكرته بشأن تهجير الفلسطينيين.
الدعم الخليجي لمصر: موقف استراتيجي أم استجابة ظرفية؟
بحسب مراقبين، فإن الدعم الإماراتي جاء في توقيت مهم، مما يعزز موقف مصر على الساحة الدولية، لا سيما قبيل القمة العربية الطارئة التي ستعقدها القاهرة في 27 فبراير الجاري، والتي تهدف إلى بلورة موقف عربي موحّد ضد مخطط التهجير والتأكيد على ضرورة إيجاد حل عادل وشامل للقضية الفلسطينية.
صحيفة “العرب” اللندنية نقلت عن مايكل حنا، مدير البرنامج الأمريكي في مجموعة الأزمات الدولية، قوله بأن مصر لا تستطيع مواجهة هذا التحدي بمفردها، بل تحتاج إلى دعم خليجي متين لتقوية موقفها أمام إدارة ترامب، وأن مصر تفتقر إلى النفوذ الاقتصادي الذي يسمح لها بالمناورة منفردة، ما يجعل الدعم الخليجي عنصرًا حاسمًا في تعزيز موقفها على المستوى الدولي.
استراتيجية مصر: إعادة إعمار غزة بدلًا من تهجير سكانها
لم تكتفِ مصر برفض خطة التهجير، بل قدّمت بديلاً عمليًا يتمثل في خطة متكاملة لإعادة إعمار قطاع غزة بالتنسيق مع دول عربية، تضمن بقاء السكان في أرضهم، بعيدًا عن أي مخططات تمسّ هويتهم الوطنية.
وأكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، خلال زيارته الأخيرة إلى واشنطن، موقف بلاده الرافض لتهجير الفلسطينيين، مشددًا على ضرورة التوصل إلى حل يضمن إقامة دولة فلسطينية مستقلة. وبحسب مصادر دبلوماسية، فإن عبد العاطي سعى خلال لقاءاته مع المسؤولين الأمريكيين إلى تجنّب أي ضغوط قد تمارس على السيسي خلال زيارته المحتملة إلى البيت الأبيض.
بين التهديدات الأمريكية والمصالح المصرية
تدرك القاهرة أن علاقتها بواشنطن تحمل أبعادًا استراتيجية، خاصة في ظل الدعم العسكري الأمريكي لمصر، الذي بلغ 1.3 مليار دولار العام الماضي، بالإضافة إلى صفقات أسلحة تتجاوز قيمتها خمسة مليارات دولار. مصر حريصة على الحفاظ على هذه العلاقة، لكن يبدو أنها لن تسمح في الوقت ذاته بأن يكون ذلك على حساب أمنها القومي أو استقلالية قرارها السياسي.
خاتمة: موقف عربي موحد ضرورة استراتيجية
في ظل تصاعد الأزمة، يبقى السؤال الأهم: هل ينجح الدعم الخليجي، إلى جانب التحركات المصرية، في تشكيل موقف عربي موحّد قادر على مواجهة الضغوط الأمريكية؟ يبدو أن الإجابة تعتمد على مدى قدرة الدول العربية على توحيد صفوفها واتخاذ موقف دبلوماسي متزن، يستند إلى رؤية استراتيجية بعيدة المدى تضمن حقوق الفلسطينيين وتحمي الأمن القومي العربي من تداعيات مشاريع غير محسوبة العواقب.
وفي نهاية المطاف، كما يقول المثل العربي “يد الله مع الجماعة“، فالتكاتف العربي اليوم ليس مجرد خيار، بل هو ضرورة تفرضها التطورات السياسية لضمان عدم فرض حلول جائرة قد تعيد تشكيل المنطقة بطريقة تهدد استقرارها لعقود قادمة.

