في فيديو عبر قناته على يوتيوب، يقدّم الكاتب الصحفي والمحلل السياسي التركي أمره أوسلو قراءة تحليلية معمّقة للمؤتمر الصحفي الذي عقده دونالد ترامب في واشنطن أمس الثلاثاء، معتبراً أنه لا يمكن فصله عن سياق تصاعدي متكامل يشمل التهديدات المباشرة لإيران، والتصريحات الإعلامية السابقة، إلى جانب التحركات العسكرية والاستخباراتية الجارية في المنطقة.
ويرى أن ما يجري ليس مجرد أزمة عابرة، بل مرحلة انتقالية في طبيعة الصراع، قد تفضي إلى إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية برمتها.
المؤتمر الصحفي: استعراض قوة يخفي أهدافاً أعمق
في ظاهر الأمر، ركّز المؤتمر على تمجيد الأداء العسكري الأمريكي، بحضور كبار المسؤولين الأمنيين والعسكريين، في مشهد يعكس وحدة المؤسسة الحاكمة خلف خيار التصعيد.
غير أن أوسلو يلفت إلى أن هذا الخطاب لم يكن موجهاً للخارج فقط، بل استهدف الداخل الأمريكي بالدرجة الأولى. فقد جرى تسليط الضوء على عملية إنقاذ طيار من طائرة F-15 داخل الأراضي الإيرانية، مع إبراز دور وكالة الاستخبارات المركزية في تتبعه عبر تقنيات فضائية متقدمة حتى أثناء اختبائه في تضاريس جبلية معقدة.
هذا السرد، وفق التحليل، يحمل دلالات واضحة تتمثل في تأكيد التفوق التكنولوجي الأمريكي، وتعزيز الثقة الشعبية بالمؤسسة العسكرية، وإعادة ربط صورة القيادة السياسية بإنجازات ميدانية ملموسة.
ويشير أوسلو إلى أن ذكر مشاركة عدد كبير من الطائرات في العملية لم يكن تفصيلاً تقنياً، بل جزءاً من “بناء صورة القوة الشاملة”.
إلغاء الإحاطة العسكرية: مؤشر على تحوّل ميداني وشيك
أُعلن عن إحاطة عسكرية صباحية في اليوم التالي، ثم أُلغيت بشكل مفاجئ، وهو ما يفسّره أوسلو كإشارة غير مباشرة إلى دخول العمليات مرحلة حساسة، حيث يتم تقييد تدفق المعلومات تمهيداً لتحركات عسكرية محتملة.
ويضيف أن مثل هذه الخطوات غالباً ما ترافق لحظات ما قبل التصعيد الكبير، عندما تتحول القرارات من مستوى التخطيط إلى التنفيذ.
إنذار الـ48 ساعة: خطاب يتجاوز الردع إلى التهديد الشامل
كرّر ترامب مهلة زمنية صارمة لإيران لفتح مضيق هرمز، ملوّحاً بتدمير شامل للبنية التحتية الحيوية، بما يشمل محطات الكهرباء والجسور، مع القدرة على شل البلاد خلال ساعات قليلة.
ويرى أوسلو أن هذا النوع من التصريحات يتجاوز مفهوم الردع التقليدي، ليقترب من “العقاب الجماعي”، وهو ما قد يضعه في إطار انتهاكات القانون الدولي.
لكن الأهم، بحسب التحليل، هو أن هذا الخطاب لم يعد يواجه رفضاً دولياً حاداً، ما يعكس تحوّلاً في طبيعة النظام الدولي وتقبّله لخطابات أكثر حدّة.
الداخل الأمريكي: توظيف الحرب لاستعادة الشرعية
يؤكد أوسلو أن الإدارة الأمريكية تدرك أن الرأي العام لا يميل إلى الحروب، لكنها تراهن على دعم قوي للمؤسسة العسكرية.
ومن هنا، فإن إبراز نجاحات الجيش يشكّل أداة لإعادة بناء التأييد السياسي، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية، وعلى رأسها ارتفاع أسعار النفط نتيجة التوترات في الخليج منذ مطلع عام 2026.
ويخلص إلى أن “شرعنة الحرب تمر عبر تمجيد الجيش”.
التحالف مع إسرائيل: تنسيق استراتيجي نحو الحسم
يربط أوسلو التصعيد الأمريكي باللقاء الذي جمع ترامب مع بنيامين نتانياهو قبل المؤتمر، حيث تم التأكيد على ضرورة عدم إنهاء الحرب دون تحقيق نتائج حاسمة.
ويشير إلى أن هذا التوجه يحظى بدعم ضمني من بعض الدول الخليجية، ما يعزز فرضية وجود توافق إقليمي على إضعاف أو إسقاط النظام الإيراني.
كما يرى أن رفض الهدن المؤقتة يعكس قناعة بأن أي توقف مبكر سيمنح طهران فرصة لإعادة ترتيب صفوفها.
ما قبل المواجهة: تحضيرات طويلة لتغيير النظام
بحسب أوسلو، فإن مؤشرات عديدة تدل على أن سيناريو تغيير النظام في إيران لم يكن وليد اللحظة، بل نتيجة تخطيط ممتد منذ أواخر 2025، ويتضمن تطوير شبكات اتصال بديلة داخل إيران، ودعم احتجاجات منظمة بشكل غير تقليدي، وإدخال تقنيات اتصال متقدمة، وتسليح مجموعات معارضة بشكل غير مباشر.
ويرى أن هذه العوامل تمثل “البنية التحتية الخفية” لأي تحرك داخلي لاحق.
رسالة الأكراد: ضغط نفسي موجه إلى طهران
في تصريحه عبر “فوكس نيوز”، أشار ترامب إلى تسليح مجموعات معارضة عبر الأكراد، وهو ما أثار ردود فعل متباينة.
غير أن أوسلو يرفض قراءة هذا التصريح كخطأ أو إفشاء معلومات، بل يعتبره رسالة محسوبة بدقة، مفادها أن الولايات المتحدة تمتلك أدوات تحريك الداخل الإيراني عند الحاجة.
ويضيف أن نفي الأطراف الكردية لا يغيّر من طبيعة الرسالة، بل يعكس رغبتها في تجنب التصعيد المبكر، خصوصاً في ظل الردود الإيرانية التي شملت ضربات على مناطق في إقليم كردستان العراق.
كما يوسّع أوسلو دائرة التحليل ليشمل احتمال دعم مجموعات أخرى، مثل البلوش، ضمن استراتيجية “تعدد الجبهات الداخلية”.
دور الاستخبارات: انتقال مركز الثقل إلى العمليات غير المباشرة
التركيز المتكرر على وكالة الاستخبارات، بحسب أوسلو، يشير إلى أن المرحلة المقبلة لن تكون عسكرية بحتة، بل ستعتمد على أدوات أكثر تعقيداً، تشمل العمليات السرية، والحرب السيبرانية، ودعم الفاعلين المحليين، ويرى أن الهدف هو إضعاف النظام من الداخل بالتوازي مع الضغط العسكري الخارجي.
إيران: شرعية قائمة على المقاومة وصعوبة التراجع
يقدّم أوسلو تفسيراً لتمسك طهران بالمواجهة، مستنداً إلى طبيعة النظام الذي يستمد شرعيته من مفهوم “المقاومة”، دينياً عبر الإرث الشيعي، ووطنياً عبر تاريخ مواجهة التدخلات الخارجية منذ حقبة محمد مصدق.
ويشير إلى أن الاحتجاجات التي شهدتها البلاد مطلع 2026، رغم قمعها العنيف، أسهمت في إعادة تعزيز شرعية النظام، إذ أعادت توجيه الغضب الشعبي نحو “العدو الخارجي”.
ومن هنا، فإن أي تنازل أمام واشنطن سيُفسَّر كخيانة لهذا الأساس الشرعي، ما يجعل خيار التسوية شبه مستحيل في الظروف الحالية.
نحو تصعيد أخطر: استدعاء النموذج النووي
يحذر أوسلو من تصاعد خطاب داخل الإعلام الأمريكي المؤيد لإسرائيل، يستحضر تجربة الحرب العالمية الثانية لتبرير استخدام السلاح النووي كوسيلة لحسم الصراع.
ويرى أن تداول هذا الطرح، حتى لو بقي نظرياً، يعكس انزلاقاً خطيراً في سقف الخيارات المطروحة، ويهدف إلى ممارسة ضغط نفسي وسياسي على إيران.
السيناريو المتوقع: من الضربات إلى التفكك الداخلي
يتوقع أوسلو أن تبدأ المرحلة المقبلة بضربات مركزة على البنية التحتية، يليها انتقال تدريجي نحو زعزعة الاستقرار الداخلي عبر تفعيل قوى محلية مسلحة.
وقد يتطور الوضع – وفق هذا السيناريو – إلى صراع داخلي متعدد الأطراف، مع محاولات لإعادة تشكيل الخريطة السياسية داخل إيران.
يرى أمره أوسلو أن التصعيد الأمريكي ضد إيران ليس رد فعل ظرفي، بل جزء من استراتيجية مركبة تجمع بين الضغط العسكري والحرب النفسية والتحركات الاستخباراتية. ويحذر من أن تلاقي هذا النهج مع إصرار إيراني على “المقاومة حتى النهاية” قد يقود إلى مواجهة مفتوحة ذات تداعيات إقليمية خطيرة.

