أعلنت النيابة العامة في أنقرة عن فتح تحقيق جديد في إطار ما يُعرف بملفات “الانتماء إلى جماعة كولن”، أسفر عن صدور قرارات توقيف بحق تسعة عشر شخصاً يعملون في مؤسسات علمية وتكنولوجية كبرى، من بينها هيئة الصناعات الدفاعية “أسيلسان” ومؤسسة الأبحاث العلمية والتكنولوجية “توبيتاك”.
التحقيق يركّز على مزاعم تفيد بأن الموقوفين استخدموا تطبيقات تواصل إلكترونية مجانية وشائعة للتراسل فيما بينهم، فيما تعتبره السلطات دليلاً على استمرار التواصل التنظيمي بين أفراد يُشتبه بانتمائهم إلى ما تسميه “الهيكل الموازي” المرتبط بحركة الخدمة.
المؤسسات المستهدفة: مركز الثقل في الصناعات الدفاعية والعلمية
من بين الموقوفين عاملان في “توبيتاك” وموظف في “أسيلسان”، إلى جانب آخرين يعملون في مؤسسات حيوية مثل هيئة الطاقة والبحوث النووية، وشركة الاتصالات الوطنية “ترك تيليكوم”.
وتعد هذه المؤسسات بمثابة العصب العلمي والتقني للدولة التركية، إذ تشرف على تطوير المشاريع الدفاعية والتكنولوجية، وتؤدي دوراً محورياً في منظومة الأمن القومي.
اختيار هذه المواقع الحساسة ضمن العملية يعكس اتجاهاً رسمياً نحو تشديد الرقابة الأمنية على البنى الاستراتيجية، في ظل قناعة رسمية بأن “الخطر التنظيمي” لم يُستأصل بعد من مفاصل الدولة، رغم مرور نحو عقد على محاولة الانقلاب الفاشلة عام 2016.
التحقيقات المتجددة: بين الأمن الداخلي وإعادة هيكلة الدولة
التحقيق الأخير يأتي في سياق سلسلة من الموجات الأمنية التي تشهدها تركيا منذ بداية العام، حيث تم تنفيذ عشرات العمليات المماثلة داخل المؤسسات التعليمية والعسكرية والبحثية.
لكن اللافت في الحملة الجديدة هو تركيزها على القطاع التكنولوجي والدفاعي، ما يعكس حرص الحكومة على حماية أسرار الصناعات العسكرية من أي تسرب محتمل، خصوصاً مع تصاعد التعاون الدفاعي بين أنقرة وعدة دول في الشرق الأوسط وإفريقيا.
وفي الوقت نفسه، يُنظر إلى هذه الإجراءات كجزء من إستراتيجية أوسع لإعادة هيكلة الجهاز الإداري للدولة، وإحكام السيطرة على مفاصل القرار العلمي والتقني في مواجهة ما تعتبره أنقرة “تهديداً داخلياً ناعماً” يتخفى تحت غطاء العمل الأكاديمي والتكنولوجي.
توازن بين الحزم الأمني والشرعية السياسية
تعتمد الحكومة التركية خطاباً مزدوجاً يزاوج بين مفهوم “الأمن القومي المستمر” وضرورة الالتزام بالقانون، حيث تحرص النيابة العامة على تقديم الإجراءات بوصفها جزءاً من “المسار القضائي الطبيعي”، على النقيض من التقارير الدولية المرموقة التي تعتبرها حملة سياسية.

