أثار تصريح حديث لزعيم حزب الحركة القومية دولت بهتشلي، الشريك الأساسي لحزب العدالة والتنمية الحاكم، جدلًا واسعًا في المشهد السياسي التركي، بعدما دعا بشكل غير مباشر إلى فتح مسار قانوني يفضي إلى إطلاق سراح عبد الله أوجلان، الزعيم المعتقل لحزب العمال الكردستاني، وعودة السياسي الكردي البارز صلاح الدين ديمرتاش إلى منزله، إلى جانب إعادة رؤساء بلديات أُقصوا بقرارات إدارية.
العبارة التي اختتم بها بهتشلي كلمته البرلمانية الأسبوعية، والمشحونة بالرمزية السياسية، انتشرت سريعًا في الإعلام ومنصات التواصل، واعتُبرت من أكثر الإشارات وضوحًا حتى الآن على استعداد أطراف نافذة في السلطة لإعادة النظر في ملفات كانت تُعد حتى وقت قريب خطوطًا حمراء.
“الحق في الأمل” وأوجلان: قلب التسوية المحتملة
استخدام بهتشلي لمفهوم “الأمل” في سياق الحديث عن أوجلان فُهم على نطاق واسع باعتباره إحالة إلى ما يُعرف في الأدبيات القانونية الأوروبية بـ“الحق في الأمل”، وهو مبدأ يؤكد ضرورة إتاحة أفق قانوني لمراجعة أحكام السجن المؤبد، بما يمنح المحكومين فرصة حقيقية للإفراج المشروط بعد مدة زمنية محددة.
أوجلان، المعتقل منذ عام 1999 في سجن إمرالي، يمثل حجر الزاوية في أي تسوية محتملة مع حزب العمال الكردستاني، إذ إن أي تغيير في وضعه القانوني سيُعد تحولًا جوهريًا في العقيدة الأمنية والسياسية للدولة التركية التي تعاملت مع سجنه طويلًا بوصفه ركيزة للردع.
سلام ما بعد السلاح: السياق الذي أعاد فتح الملفات المغلقة
تأتي تصريحات بهتشلي في خضم مسار سياسي جديد هو الأكثر جدية منذ انهيار محادثات السلام عام 2015. هذا المسار تسارع بشكل ملحوظ بعد دعوة أوجلان في أواخر فبراير 2025 حزب العمال الكردستاني إلى إلقاء السلاح وحل نفسه، وهي الدعوة التي أعلن الحزب لاحقًا الالتزام بها.
وفي مايو من العام نفسه، اتخذ الحزب قرارًا رسميًا بإنهاء كفاحه المسلح الذي بدأ عام 1984، في صراع أودى بحياة أكثر من أربعين ألف شخص، قبل أن يُترجم القرار ميدانيًا في يوليو 2025 عبر مراسم رمزية لإلقاء السلاح في إقليم كردستان العراق.
ورغم أن أنقرة وحلفاءها الغربيين ما زالوا يصنفون الحزب منظمة إرهابية، فإن التطورات الأخيرة دفعت صناع القرار في تركيا إلى التفكير في “مرحلة ما بعد الصراع”، بما تحمله من استحقاقات قانونية وسياسية.
ديمرتاش: السجين السياسي في قلب المعادلة
الدعوة الضمنية لعودة صلاح الدين ديمرتاش إلى منزله حملت دلالات لا تقل أهمية. فالرجل، الذي يُعد أحد أبرز وجوه السياسة الكردية الحديثة، يقبع في السجن منذ عام 2016 بتهم تتعلق بالإرهاب ينفيها، رغم صدور أحكام قضائية أوروبية تعتبر استمرار احتجازه انتهاكًا لحقوقه الأساسية.
لغة بهتشلي أعادت إلى الأذهان تصريحاته السابقة التي ألمح فيها إلى أن الإفراج عن ديمرتاش قد يكون جزءًا من تسوية شاملة في حال طُويت صفحة السلاح نهائيًا، وهو تحول لافت في خطاب حزب لطالما تبنى مواقف متشددة تجاه المطالب السياسية الكردية.
البلديات: مراجعة سياسة الأوصياء
الجزء الأكثر غموضًا في خطاب بهتشلي كان إشارته إلى “عودة الأحمدين”، وهي صيغة فسّرها الإعلام التركي على أنها دعوة لإعادة شخصيات بعينها إلى مناصبهم البلدية، وعلى رأسهم أحمد تورك، رئيس بلدية ماردين السابق، وأحمد أوزر، رئيس بلدية منطقة أسنيورت في إسطنبول، وكلاهما أُقيل وعُيّن بدلًا منه وصي حكومي.
سياسة تعيين الأوصياء على البلديات المنتخبة كانت من أكثر أدوات الدولة إثارة للجدل، سواء في المناطق ذات الغالبية الكردية أو في بعض البلديات الكبرى التي تديرها المعارضة، وإعادة النظر فيها تعني عمليًا فتح نقاش أوسع حول الديمقراطية المحلية وحدود التدخل الأمني.
تباين التغطية الإعلامية ورسائل الخلاف داخل السلطة
اللافت أن وسائل الإعلام القريبة من الحكومة تعاملت بحذر مع تصريحات بهتشلي، مفضلة التركيز على أجزاء أخرى من خطابه، مثل رفضه إجراء انتخابات مبكرة أو تعليقاته على السياسة الخارجية، بينما وضعت وسائل الإعلام المستقلة جملته المتعلقة بأوجلان وديمرتاش في صدارة التغطية.
هذا التباين فُسّر على أنه انعكاس لتباينات داخل التحالف الحاكم، وربما حذر من جانب الدائرة المحيطة بالرئيس رجب طيب أردوغان من تبني خطاب لم تُستكمل بعد شروطه السياسية والشعبية.
ما الذي تغيّر؟
المحصلة أن خطاب بهتشلي لم يكن مجرد زلة لسان أو استعارة لغوية، بل رسالة سياسية محسوبة تعكس إدراكًا متزايدًا داخل أروقة الحكم بأن مرحلة إنهاء الصراع المسلح تفرض إعادة ترتيب شاملة للملفات القضائية والسياسية المرتبطة بالقضية الكردية، من السجناء البارزين إلى الإدارة المحلية، وصولًا إلى دور أوجلان نفسه في المشهد المقبل.
الخلاصة
تصريحات دولت بهتشلي كشفت عن استعداد غير مسبوق داخل التحالف الحاكم لبحث ملفات كانت محرّمة سياسيًا، في إطار مسار سلام جديد فرضته نهاية الصراع المسلح. نجاح هذا المسار سيبقى مرهونًا بترجمته إلى خطوات قانونية ملموسة تتجاوز الخطاب الرمزي.

