يتصاعد في أنقرة نقاش سياسي وقانوني واسع حول مستقبل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بعد انتهاء ولايته الحالية في 2028، في ظل قيود دستورية تحظر عليه الترشح مجدداً.
وفي هذا السياق، أعاد نائب رئيس البرلمان وقيادي حزب العدالة والتنمية بكر بوزداغ فتح الباب أمام سيناريو انتخابي يتيح للرئيس خوض سباق جديد، مؤكداً أن البرلمان يملك الصلاحية الدستورية لاتخاذ الخطوات اللازمة قبل انتهاء الولاية الثانية.
تصريحات بوزداغ، التي جاءت خلال اجتماع حزبي في ولاية يوزغات، عكست توجهاً متنامياً داخل أوساط الحزب الحاكم للبحث عن مخارج قانونية تبقي أردوغان في السلطة، رغم بلوغه الحادية والسبعين ودخوله ولايته الرئاسية الثانية والأخيرة وفق النص الدستوري الحالي.
الاستثناء الدستوري: بوابة الانتخابات المبكرة
الدستور التركي يحدد الرئاسة بفترتين مدة كل منهما خمس سنوات. لكن المادة 116 تتضمن استثناءً حاسماً: إذا قرر البرلمان الدعوة إلى انتخابات مبكرة خلال الولاية الثانية للرئيس، يحق له الترشح مجدداً باعتبار أن الانتخابات تفتح دورة جديدة.
تفعيل هذا المسار يتطلب موافقة 360 نائباً من أصل 600، أي أغلبية ثلاثة أخماس البرلمان.
تحالف حزب العدالة والتنمية مع حليفه حزب الحركة القومية لا يمتلك سوى نحو 321 مقعداً، ما يعني أن تمرير قرار كهذا يستلزم استقطاب أصوات إضافية من أحزاب صغيرة أو من داخل صفوف المعارضة، وعلى رأسها حزب الشعب الجمهوري.
هذه المعادلة العددية تفسر تصاعد النقاش داخل الحزب الحاكم، وتحوّل مسألة الانتخابات المبكرة إلى ورقة سياسية استراتيجية لا مجرد خيار إجرائي.
خيار تعديل الدستور: طريق أطول وأكثر تعقيداً
إلى جانب سيناريو الانتخابات المبكرة، يبرز مسار آخر يتمثل في تعديل الدستور لإلغاء أو تعديل سقف الولايتين. تمرير تعديل دستوري يتطلب 360 صوتاً لإحالته إلى استفتاء شعبي، أو 400 صوت لإقراره مباشرة داخل البرلمان، وهي أرقام لا يملكها التحالف الحاكم حالياً.
زعيم حزب الحركة القومية دولت بهجلي كان قد دعا علناً منذ أواخر 2023 إلى تعديل دستوري يتيح لأردوغان الترشح مجدداً، فيما أكد متحدث حزب العدالة والتنمية مطلع 2025 أن إعادة ترشح الرئيس “مدرجة على جدول الأعمال”.
أما أردوغان نفسه، فقد كرر في مناسبات متفرقة أنه لا ينوي الاستمرار بعد 2028، لكنه أدلى بتصريحات مماثلة قبل انتخابات 2018 و2023 ثم خاضهما فعلياً، ما يجعل مواقفه الحالية موضع قراءة سياسية أكثر منها التزاماً قاطعاً.
استطلاع رأي أُجري في نوفمبر أظهر أن 66 بالمئة من المشاركين يعارضون تعديل الدستور للسماح بولاية ثالثة، وهو مؤشر يعكس حساسية المسألة شعبياً.
المعارضة تحت ضغط مزدوج
أي مسار لفتح الباب أمام ولاية جديدة يضع المعارضة في موقع بالغ التعقيد.
حزب الشعب الجمهوري، أقدم الأحزاب التركية وأكبر قوى المعارضة، يواجه مرحلة ضعف غير مسبوقة بعد توقيف رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو في مارس 2025 بتهم فساد يعتبرها الحزب ذات دوافع سياسية.
إمام أوغلو، الذي حصد 15.5 مليون صوت في انتخابات تمهيدية داخل الحزب يوم توقيفه، كان يُنظر إليه بوصفه المنافس الأقوى لأردوغان.
إضافة إلى سجنه في سجن مرمرة، أُلغيَت شهادته الجامعية بقرار قضائي، ما يثير إشكالية قانونية حول أهليته للترشح مستقبلاً، إذ يشترط القانون التركي حيازة شهادة جامعية لمنصب الرئاسة.
في غيابه، يرى مراقبون أن الحزب يفتقر إلى شخصية تحظى بقبول وطني مماثل، سواء جرت الانتخابات في موعدها عام 2028 أو قبل ذلك في حال الدعوة لانتخابات مبكرة.
سيناريو الخلافة: اسم بلال أردوغان في التداول
في موازاة الجدل الدستوري، تتداول الأوساط السياسية احتمال دعم أردوغان لنجله بلال أردوغان كمرشح بديل.
بلال، البالغ من العمر 44 عاماً، لا يشغل منصباً منتخباً ولا يتولى دوراً رسمياً في الحزب أو الحكومة، لكنه يحمل شهادة في العلوم السياسية من جامعة إنديانا ودرجة ماجستير في الإدارة العامة من كلية كينيدي بجامعة هارفارد.
حضوره الإعلامي شهد ارتفاعاً ملحوظاً مطلع 2026، مع زيادة لافتة في التغطية داخل وسائل الإعلام المؤيدة للحكومة. تقارير دولية وصفته بأنه “وريث محتمل”، في ظل قناعة لدى بعض قيادات الحزب بقدرته على الحفاظ على التوازن الاجتماعي المحافظ وتعبئة القاعدة الانتخابية.
غير أن هذا السيناريو يواجه اعتراضات داخلية. القيادي المؤسس في الحزب بولنت أرينتش رفض فكرة انتقال السلطة من الأب إلى الابن، معتبراً أن هذا النموذج لا يحظى بقبول عام في السياق التركي ولا يستند إلى سابقة ديمقراطية.
استطلاع أُجري في ديسمبر وضع بلال في المرتبة الثالثة ضمن سيناريوهات الخلافة داخل الحزب، خلف وزير الخارجية هاكان فيدان ووزير الداخلية السابق سليمان صويلو.
أردوغان… أطول زعيم في تاريخ الجمهورية
منذ توليه رئاسة الوزراء عام 2003، ثم انتقاله إلى الرئاسة بعد تعديل النظام السياسي في استفتاء 2017 الذي حوّل تركيا إلى نظام رئاسي تنفيذي، أصبح أردوغان أطول القادة بقاءً في الحكم في تاريخ الجمهورية التركية.
هذا الامتداد الزمني يمنح أي نقاش حول ولايته المقبلة بعداً يتجاوز الترتيبات الدستورية، ليصل إلى سؤال أوسع حول طبيعة النظام السياسي وتوازن القوى بين السلطة والمعارضة في المرحلة المقبلة.
معادلة 2028: بين النص الدستوري والواقع السياسي
الانتخابات الرئاسية المقبلة مقررة في مايو 2028 كحد أقصى. لكن المسار الفعلي سيعتمد على قدرة التحالف الحاكم على تأمين الأغلبية اللازمة داخل البرلمان، أو على تبلور تسوية سياسية أوسع، في ظل مشهد داخلي يتسم بالاستقطاب والتحديات الاقتصادية والضغوط الإقليمية.
في المحصلة، لا يتعلق النقاش فقط بإمكانية ترشح أردوغان مجدداً، بل بمستقبل التوازن المؤسسي في تركيا، وبكيفية إدارة انتقال السلطة، سواء أكان ذلك عبر تعديل دستوري، انتخابات مبكرة، أم إعادة تشكيل داخل البيت الحاكم.
خلاصة
الطريق القانوني لبقاء أردوغان بعد 2028 يمر إما عبر انتخابات مبكرة يقرّها البرلمان أو تعديل دستوري يتطلب أغلبية غير متوافرة حالياً. المعارضة الضعيفة وسيناريوهات الخلافة داخل الحزب الحاكم تجعل المشهد مفتوحاً على احتمالات متعددة حتى موعد الاستحقاق المقبل.

