شهدت الساحة الإعلامية التركية جدلاً واسعاً بعد الكشف عن أن الأسئلة التي يطرحها الصحفيون المرافقون للرئيس التركي رجب طيب أردوغان في الطائرة تُرسل مسبقاً إلى رئاسة دائرة الاتصال للموافقة عليها.
القضية أثارت موجة من الانتقادات حول نزاهة المشهد الصحفي ومصداقية ما يوصف بـ”مقابلات الطائرة”، التي طالما عُدّت مساحة لتفاعل حر بين الرئيس والصحافة.
بداية الجدل: أسئلة جاهزة أم رقابة مؤسساتية؟
القضية انفجرت بعدما نشر الإعلامي والناقد الصحفي فاروق بلدرجي عبر حسابه في وسائل التواصل الاجتماعي، أن قائمة بالأسئلة التي سيطرحها الصحفيون على أردوغان وصلت إليه قبل إقلاع الطائرة من واشنطن. بلدرجي تساءل علناً: “كيف يمكن لهذه القائمة أن تتسرب إذا لم تكن خضعت لرقابة أو ترتيب مسبق من رئاسة الاتصال؟
في المقابل، حاول الصحفي أحمد هاكان، رئيس تحرير صحيفة حُرّيت، نفي الاتهامات عبر مقالة وتصريحات أكد فيها أن “الأسئلة لا تُعطى جاهزة من الرئاسة”، بل تُجمع من الصحفيين أنفسهم مسبقاً بهدف “منع التكرار وضمان تنوع المحاور“.
رد بلدرجي: من النفي إلى الاعتراف الضمني
بلدرجي ردّ بلهجة حادة، ووجّه خطابه مباشرة إلى هاكان قائلاً: “أنت كاذب”. وأوضح أن هاكان بتبريره، اعترف ضمناً بأن الأسئلة تُرسل فعلاً إلى رئاسة الاتصال قبل الرحلة، حيث يقوم الصحفيون بتسليمها للمراجعة والتدقيق، وهو ما يعني ـ بحسب بلدرجي ـ أن “الأسئلة خاضعة للرقابة وأن الحوار ليس عفوياً كما يُروج“.
كما أشار إلى أن هاكان لجأ إلى أسلوب “التشويه والانتقائية”، عبر اقتباس عبارات لم يقلها وتحريف مضمون ما كتبه. بلدرجي شدد على أن مشكلته ليست مع الصحفيين الأفراد بقدر ما هي مع المنهجية التي تحوّل ما يُفترض أن يكون مقابلة صحفية إلى “مسرحية محسوبة سلفاً“.
جدل حول المهنية والذاكرة التاريخية
في معرض انتقاده، استحضر بلدرجي تجارب سابقة من تاريخ الصحافة التركية، مؤكداً أن مثل هذا “التنسيق المسبق” لم يحدث مع رؤساء سابقين مثل تورغوت أوزال أو سليمان دميريل أو عبد الله جول، ولا حتى مع أردوغان نفسه في سنوات حكمه الأولى. وأكد أن الصحافة المهنية لا تسمح بمثل هذه القيود، إذ يظل حق طرح السؤال مكفولاً للصحفي وحده، دون إذن أو مراجعة من أي سلطة.
سؤال إلى الرئاسة: لماذا لا تُبث المؤتمرات؟
من بين النقاط البارزة في خطاب بلدرجي، دعوته رئاسة الاتصال إلى بث اللقاءات الصحفية على متن الطائرة بشكل مرئي ومباشر، حتى يتسنى للرأي العام متابعة ما يُطرح من أسئلة وما يُقدم من إجابات. وأضاف: “إذا كانت الأسئلة مطروحة بحرية كما يُقال، فلماذا يتم حجبها عن الجمهور؟ ولماذا لا يُتاح للمواطنين أن يشاهدوا بأعينهم أداء الصحفيين؟“.
سياق سياسي وإعلامي متصاعد
يأتي هذا الجدل في وقت تتزايد فيه الانتقادات داخل تركيا وخارجها لأداء الإعلام المحلي، حيث تُتهم غالبية المنابر الكبرى بالانحياز إلى السلطة والتخلي عن دورها الرقابي. كما يتقاطع النقاش مع تحولات أوسع في المشهد السياسي، حيث يسعى أردوغان إلى تثبيت خطابه عبر أدوات إعلامية مضبوطة، بينما يتراجع الهامش المتاح للصحافة المستقلة.

