كشف تقرير صادر عن “مركز ستوكهولم للحرية” استناداً إلى دراسة أجراها “معهد الدراسات الاجتماعية” اعتماداً على بيانات “معهد الإحصاء التركي” أنّ معدلات الانتحار في تركيا ارتفعت بنسبة تقارب94 في المئة منذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم في عام 2002. فبينما بلغ عدد حالات الانتحار المسجّلة في ذلك العام2301 حالة، ارتفع الرقم إلى4460 حالة في عام 2024. كما ارتفع المعدل من3.5 حالات لكل مئة ألف نسمة إلى 5.2 حالات خلال الفترة نفسها.
النمو السكاني لا يفسر الظاهرة
شهدت تركيا زيادة في عدد سكانها من نحو 66 مليون نسمة عام 2002 إلى أكثر من 85 مليوناً في عام 2024، أي بزيادة نسبتها نحو 29 في المئة. غير أنّ الزيادة في معدلات الانتحار فاقت بكثير هذه النسبة، ما يؤكد أنّ العوامل السكانية وحدها لا تفسر هذا التصاعد اللافت.
منحنى تصاعدي مع محطات مفصلية
أوضحت الدراسة أنّ الظاهرة ترافقت مع تذبذبات سنوية، لكن المنحنى العام ظل صاعداً. لوحظت قفزات بارزة في معدلات الانتحار خلال عامي 2012 و2019، فيما اتسمت السنوات الخمس الأخيرة بوتيرة تصاعدية أكثر استقراراً وسرعة، خاصة منذ عام 2020، وهو ما يعكس ارتباطاً مباشراً بظروف اقتصادية واجتماعية ضاغطة.
الأزمة الاقتصادية وتداعياتها
يربط الباحثون هذا الارتفاع بمرحلة اضطراب اقتصادي عميق شهدته تركيا منذ أزمة العملة في 2018، التي أدت إلى ركود اقتصادي حاد وارتفاع معدلات التضخم والبطالة. ويُحمّل العديد من الخبراء المسؤولية لسياسات الرئيس رجب طيب أردوغان النقدية غير التقليدية، المتمثلة في رفض رفع أسعار الفائدة وتسييس البنك المركزي، إلى جانب هشاشة الاقتصاد التركي المرتبط بالديون المقومة بالعملات الأجنبية، والعقوبات الأمريكية، وتشديد السياسة النقدية العالمية.
العوامل الاجتماعية والصحية
يشير خبراء الصحة العامة إلى أنّ تراكم الضغوط الاقتصادية، والتحديات الاجتماعية، وضعف خدمات الصحة النفسية، كانت من أبرز الدوافع التي أسهمت في ارتفاع معدلات الانتحار. كما جاء تفشي جائحة كورونا وما أعقبها من تبعات اجتماعية واقتصادية ليضاعف من خطورة الوضع خلال السنوات الأخيرة.
جهود حكومية محدودة
حاولت الحكومة مواجهة الأزمة من خلال توسيع نطاق الخطوط الساخنة وإطلاق حملات توعية للحد من ظاهرة الانتحار. غير أنّ ناشطين في مجال الصحة النفسية يؤكدون أنّ هذه الجهود تظل غير كافية ما لم تُدعَم باستثمارات هيكلية واسعة في مجال الرعاية النفسية.
البعد الدولي
وفقاً لبيانات منظمة الصحة العالمية، يموت نحو 800 ألف شخص سنوياً بسبب الانتحار على مستوى العالم، ما يجعله قضية صحية عامة عالمية بالغة الخطورة. وعلى الرغم من أنّ معدلات الانتحار في تركيا لا تزال أدنى من المتوسط العالمي، إلا أنّ المسار التصاعدي المقلق يثير مخاوف الباحثين ويستدعي معالجة جذرية.

