في خطوة لافتة تعكس تطور العلاقات بين أنقرة وهلسنكي، وقّعت تركيا وفنلندا يوم الاثنين مذكرة تفاهم في مجال التعاون الصناعي الدفاعي، تهدف إلى تعزيز الشراكة الدفاعية عبر الإنتاج المشترك، وتبادل التكنولوجيا، وتطوير القدرات القتالية.
جاء الإعلان عبر منصّة “إكس” الرسمية للسلطات التركية، ما يسلط الضوء على الأهمية الرمزية والسياسية للاتفاقية في ظل تغير خريطة التحالفات داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو).
خلفية التوتر: الحظر الفنلندي والاستدارة الدبلوماسية
كانت العلاقات بين البلدين قد شهدت فتوراً واضحاً منذ عام 2019، عندما فرضت فنلندا حظراً على تصدير الأسلحة إلى تركيا، احتجاجاً على عملية “نبع السلام” العسكرية التي شنتها أنقرة في شمال شرق سوريا ضد القوات الكردية.
لكن بدءاً من عام 2023، بدأت العلاقات في التحسن، مع رفع الحظر الفنلندي وإصدار أول ترخيص تصدير دفاعي إلى تركيا منذ أربع سنوات، في إطار صفقة استراتيجية: إنهاء الحظر مقابل موافقة تركيا على انضمام فنلندا إلى الناتو، والذي صادق عليه البرلمان التركي في مارس 2023.
التحول الإستراتيجي: التعاون بدل المواجهة
بموجب الاتفاق الجديد، والذي وُقّع من قبل رئيس وكالة الصناعات الدفاعية التركية خلوق غورغون، ومدير السياسة الدفاعية والتسليح الفنلندي أولي روتو، باتت الدولتان على طريق تعاون نوعي يشمل مجالات عدة، مثل الإنتاج المشترك للأنظمة الدفاعية المتقدمة، والمشاركة في تطوير منصات قتالية جديدة.
وأشار غورغون إلى أهمية الاتفاق في تعزيز الردع الدفاعي لحلف الناتو، وقال: «هذا التعاون خطوة مهمة نحو دمج الصناعات الدفاعية الأوروبية وتعزيز القدرات المشتركة».
الركائز الفنية: إنتاج مشترك واندماج تقني
الاتفاق ينطوي على مشاريع محددة، أبرزها تعاون شركة “باتريا” الفنلندية —التي سجلت طلبيات جديدة بقيمة 1.26 مليار يورو في 2024، بزيادة 33% عن العام السابق — مع الشركات التركية “أسيلسان“ و”روكيتسان” في مجال تطوير الأنظمة القتالية.
من بين المبادرات الرئيسية: دمج أنظمة الأسلحة التركية التي يتم التحكم بها عن بُعد في مدرعات باتريا 6×6 و8×8، بهدف تصديرها إلى أسواق أمريكا الجنوبية والشرق الأوسط.
القوة المتبادلة: ماذا تقدم فنلندا وماذا تملك تركيا؟
تُعد فنلندا حالياً من أعلى دول الناتو إنفاقاً على الدفاع، بنسبة 2.5% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2025، متجاوزة سقف الحلف البالغ 2%. وتتضمن ميزانيتها 1.9 مليار يورو لمقاتلات F-35A و156 مليون يورو لمبادرات التوافق مع الناتو.
أما تركيا، فتمدّ شراكتها بخبرات متقدمة في مجال الطائرات المسيّرة، والأنظمة الصاروخية، ومنصات القتال المجربة في ميادين النزاع. وتُعد هذه الشراكة فرصة لتركيا لدخول السوقين الأوروبي والنوردي، بينما تستفيد فنلندا من شبكات النفوذ التركية في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى وأفريقيا.
دلالات استراتيجية: أوروبا الدفاعية الموحدة
الاتفاق يصب كذلك في مصلحة مشروع الاتحاد الأوروبي الرامي إلى تعزيز التكامل الدفاعي وتقليص الاعتماد على الموردين من خارج القارة. إذ تُظهر البيانات أن 40–60% من الإنتاج الدفاعي الفنلندي يُخصص للتصدير، خصوصاً في مجال الاتصالات، والمركبات المدرعة، وتكنولوجيا الحرب القطبية.
في عام 2023، وصلت تراخيص تصدير السلاح الفنلندي إلى 667 مليون يورو، متجهة بشكل رئيسي إلى السويد ولاتفيا وليتوانيا، ما يعكس تحول فنلندا إلى لاعب صناعي دفاعي نشط.
التحديات والفرص: التنسيق اللوجستي والأسواق الناشئة
رغم التقدم، تبقى قضايا تنسيق الصادرات وسلاسل الإمداد تحدياً معقداً. لكن في المقابل، فإن الاتفاق يوفر فرصة للطرفين؛ فالشركات التركية تستفيد من التكنولوجيا والبنية المؤسسية الأوروبية، بينما تكتسب فنلندا بوابة إلى أسواق إقليمية نادراً ما تصل إليها.

