نشر الكاتب الصحفي المخضرم فهمي كورو، المعروف بعلاقته الوثيقة السابقة بالحزب الحاكم في تركيا، مقالاً ناقداً تناول فيه الأوضاع الراهنة في السجون التركية، مشيراً إلى أنّها أصبحت من أكثر القضايا المثيرة للحزن خلال أيام العيد.
وقد استهل كورو مقاله برصد المشهد المؤلم لعائلات المعتقلين الشباب الذين انتظروا لساعات أمام السجون ليتمكنوا من لقاء أبنائهم في ثالث أيام العيد فقط.
أهالي المعتقلين الشباب في طوابير الانتظار خلال العيد
وأشار الكاتب إلى أنّ هؤلاء الشباب جرى اعتقالهم عقب مشاركتهم في مظاهرات حاشدة في مناطق مثل سراج خانة ومالتبة، وكذلك خلال احتجاجات طلابية في جامعاتهم، وتم توزيعهم في السجون ضمن عنابر مخصصة عادة للمجرمين الجنائيين، وهو ما اعتبره كورو “سلوكاً يصعب فهمه”.
وأضاف كورو أن الشرطة تنفي تعرض هؤلاء المعتقلين للعنف، لكنّ مشاهد الضرب التي عرضتها وسائل الإعلام تُكذب تلك الرواية. كما عبّر عن استغرابه من موقف الحكومة تجاه هؤلاء الشباب، لافتاً إلى أن معظم القيادات الحالية للحزب الحاكم – أو أقربائهم – سبق أن مروا بتجربة الاعتقال، وكان يُفترض بهم أن يرفضوا مثل هذه المعاملة.
تجاوزات في توزيع المعتقلين السياسيين داخل السجون
أشار كورو إلى شهادات من داخل السجون تؤكد أن المعتقلين الشباب وُزعوا على عنابر تضم سجناء جنائيين، ما يعكس – بحسب رأيه – توجهاً عقابياً غير مبرر بحق ناشطين سياسيين أو طلاب لا علاقة لهم بالجريمة المنظمة.
إحصاءات مقلقة: ارتفاع غير مسبوق في عدد السجناء خلال حكم أردوغان
انتقل الكاتب للحديث عن الأرقام الصادمة المرتبطة بالسجون في تركيا؛ فوفقاً لإحصاءات حديثة من جمعية المجتمع المدني في نظام تنفيذ العقوبات (CİSST)، فإن عدد السجناء في مارس 2025 بلغ 398,694 شخصاً موزعين على 395 سجناً، في حين لا تتجاوز الطاقة الاستيعابية لهذه السجون 299,940. ومن بين هؤلاء السجناء، يوجد 342,041 محكوماً و56,653 موقوفاً على ذمة التحقيق.
وفي مقارنة مثيرة، أشار كورو إلى أن عدد السجناء في العام 2003، عند تسلم حزب العدالة والتنمية الحكم، كان 59,429 فقط. وباحتساب الزيادة السكانية، فإن نسبة الزيادة في عدد السجناء خلال 23 عاماً بلغت نحو 570%، ما يجعل تركيا الأولى أوروبياً من حيث عدد نزلاء السجون.
كما أشار إلى أن نحو 100 شخص يفقدون حياتهم سنوياً داخل السجون، وأن حوالي 100,000 سجين ينامون على الأرض بسبب نقص الأسرّة. وفي هذا السياق، خصصت الحكومة أكثر من مليار ليرة تركية لبناء 11 سجناً جديداً في عام 2025 بمساحة إجمالية تبلغ نحو 704,000 متر مربع.
الانتهاك الصارخ لحق التظاهر والاحتجاج السلمي
طرح كورو تساؤلات مهمة قائلاً: “هل كان شعبنا أقل إجراماً قبل عام 2000؟ أم أن ما لم يكن يُعدّ جريمة في الماضي، أصبح يُجرَّم في العقود الأخيرة؟”. ورجّح الاحتمال الأخير، مستشهداً بحالات الشباب الذين اعتُقلوا لمجرد مشاركتهم في تظاهرات سلمية، وهو ما يكفله الدستور التركي في المادة 34 التي تؤكد الحق في التظاهر السلمي من دون الحاجة إلى إذن مسبق.
كما لفت إلى أن المادة 38 من الدستور تمنع معاقبة الأفراد على أفعال لم تُعتبر جرائم عند ارتكابها. وأضاف أن قانون العقوبات التركي لا يتضمن مادة تُجرم “المقاطعة الطلابية” التي شارك فيها أولئك الشباب.
أسئلة موجعة حول استمرار حبس شخصيات سياسية بارزة
سلط الكاتب الضوء أيضاً على استمرار احتجاز شخصيات بارزة مثل ماهر بولات، رغم مشاكله الصحية، ورئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو، والسياسي البارز صلاح الدين دميرتاش، وعدد من رؤساء البلديات المنتمين إلى حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب (DEM)، بل وامتد ذلك إلى سياسيين من أحزاب أخرى مثل زعيم حزب النصر أوميت أوزداغ، الذي قال كورو إنه “يُحتجز لمنعه من حذف تغريداته أو الهروب”.
وتساءل كورو: “لماذا لا يتم إطلاق سراح هؤلاء المعتقلين السياسيين عوضاً عن التوسع في بناء السجون؟”
دعوة لمراجعة السياسات العقابية في البلاد
وختم فهمي كورو مقاله بتساؤل عميق: “الذين يديرون الدولة الآن هم أنفسهم من كانوا ضحايا السجون سابقاً، فهل كان ينبغي أن تكون الأمور على هذا النحو؟”.

