أشعلت تصريحات السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي موجة اعتراضات رسمية غير مسبوقة في الإقليم، بعدما ألمح إلى وجود “حق توراتي” لإسرائيل في مساحة جغرافية شاسعة تمتد – وفق بعض القراءات الدينية – من نهر النيل في مصر إلى نهر الفرات في سوريا والعراق.
التصريحات التي جاءت خلال مقابلة على برنامج صوتي يقدمه إعلامي محافظ لم تُقرأ باعتبارها زلة تعبير فردية، بل باعتبارها رسالة سياسية محتملة، خصوصًا في ظل استمرار الحرب في غزة وتعثر مسارات التهدئة.
ماذا قال هاكابي؟ بين المبالغة والتأويل
في الحلقة التي بُثت يوم الجمعة، سأل كارلسون ضيفه عن آية توراتية يفسرها بعض التيارات الدينية على أنها تمنح إسرائيل حقًا في أراضٍ واسعة من الشرق الأوسط. فجاء رد هاكابي صريحًا: “لن يكون هناك بأس لو أخذوا كل ذلك”، قبل أن يعود ليقول إن إسرائيل “لا تطلب الاستحواذ على كل تلك الأراضي”، واصفًا حديثه بأنه “نوع من المبالغة”.
ورغم نشره لاحقًا توضيحين عبر منصة “إكس”، فإن مسألة “الحق التوراتي” ذاتها لم تُسحب أو تُفنَّد بشكل مباشر، ما أبقى الباب مفتوحًا أمام تأويلات سياسية وقانونية واسعة.
بيان مشترك غير اعتيادي في توقيته وتركيبته
رد الفعل جاء سريعًا عبر بيان مشترك وقّعته أربع عشرة دولة عربية وإسلامية، بينها تركيا، إضافة إلى ثلاث منظمات إقليمية هي منظمة التعاون الإسلامي وجامعة الدول العربية ومجلس التعاون لدول الخليج العربية.
الدول الموقعة شملت الإمارات، مصر، الأردن، إندونيسيا، باكستان، تركيا، السعودية، قطر، الكويت، عُمان، البحرين، لبنان، سوريا ودولة فلسطين. واعتبر البيان أن التصريحات “خطيرة واستفزازية”، وتمثل انتهاكًا لميثاق الأمم المتحدة، وتقويضًا لجهود خفض التصعيد في غزة، وإضعافًا لأي مسار سياسي نحو تسوية أوسع.
هذا التنسيق الجماعي يعكس إدراكًا إقليميًا بأن الخطاب الديني حين يُستحضر في سياق ترسيم الحدود والسيادة، يتجاوز البعد الرمزي إلى تهديد مباشر لمرتكزات النظام الدولي القائم على احترام الحدود المعترف بها.
مواقف وطنية أكثر حدة
قبل البيان الموحد، صدرت إدانات منفردة اتسم بعضها بلهجة شديدة. السعودية وصفت التصريحات بأنها “متهورة وغير مسؤولة”، فيما اعتبرتها الأردن “اعتداءً على سيادة دول المنطقة”. الكويت رأت فيها “انتهاكًا صارخًا” للقانون الدولي، بينما حذرت عُمان من تأثيرها السلبي على فرص السلام.
وزارة الخارجية المصرية شددت على أن إسرائيل لا تملك أي سيادة على الأراضي الفلسطينية المحتلة أو غيرها من الأراضي العربية، في إعادة تأكيد للموقف القانوني العربي التقليدي.
السلطة الفلسطينية اعتبرت أن تصريحات هاكابي تتناقض مع إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رفضه ضم الضفة الغربية، في إشارة إلى وجود فجوة محتملة بين الخطاب الدبلوماسي الرسمي وبعض التصريحات الفردية.
إيران بدورها وصفت كلام السفير بأنه دليل على “تواطؤ أمريكي نشط” مع سياسات توسعية إسرائيلية، ما أضفى بعدًا إضافيًا من الاستقطاب على الجدل.
تركيا بين الالتزام الإقليمي وحسابات العلاقة مع واشنطن
انضمام تركيا إلى البيان الجماعي ينسجم مع مواقفها المعلنة حيال القضية الفلسطينية، خصوصًا في ظل انتقاداتها المتكررة للعمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة. غير أن التحرك التركي جاء ضمن إطار جماعي، ما يعكس حرص أنقرة على توجيه رسالة سياسية واضحة دون الانزلاق إلى مواجهة ثنائية مباشرة مع الولايات المتحدة.
فتركيا، بوصفها عضوًا في حلف شمال الأطلسي وشريكًا أمنيًا لواشنطن، تسعى إلى الموازنة بين التزاماتها الغربية وموقعها في العالمين العربي والإسلامي. البيان المشترك منحها هامشًا دبلوماسيًا للتعبير عن الرفض ضمن مظلة متعددة الأطراف.
القانون الدولي في مواجهة السرديات الدينية
إعادة طرح فكرة “الحدود التوراتية” في خطاب دبلوماسي رسمي تعيد إلى الواجهة سؤالًا أعمق: هل يمكن توظيف نصوص دينية لتبرير مطالب إقليمية في نظام دولي قائم على ميثاق الأمم المتحدة؟
المجتمع الدولي، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، رسّخ مبدأ عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة، وأقرّ بأن الحدود تُحسم بالاتفاقيات الدولية لا بالتأويلات التاريخية أو الدينية. لذلك رأت الدول الموقعة أن تصريحات هاكابي تمس جوهر الشرعية الدولية.
وفي ظل استمرار الحرب في غزة وتزايد الضغوط الدولية لوقف إطلاق النار، يُخشى أن يؤدي الخطاب الذي يلمّح إلى توسع جغرافي إلى تعقيد جهود الوساطة، وإضعاف الثقة بأي مسار تفاوضي.
تداعيات سياسية محتملة
من المستبعد أن تؤدي الأزمة إلى تصعيد دبلوماسي مباشر بين واشنطن والدول الموقعة، غير أن أثرها قد يتجلى في زيادة الحذر الإقليمي تجاه أي إشارات توحي بدعم أمريكي غير مشروط لمطالب إسرائيلية تتجاوز حدود عام 1967.
كما أن الجدل قد يُستَثمر داخليًا في عدد من الدول لتعزيز خطاب السيادة ورفض أي مشاريع يُنظر إليها على أنها تمس وحدة أراضي المنطقة.
الخلاصة
التصريحات أعادت إشعال حساسيات تاريخية حول الحدود والسيادة، ودَفعت بتحرك إقليمي جماعي يؤكد أولوية القانون الدولي على السرديات الدينية. الجدل يعكس هشاشة المناخ السياسي في الشرق الأوسط، حيث يمكن لعبارة دبلوماسية أن تتحول إلى أزمة عابرة للحدود.

