شهد ميدان مالتبة في إسطنبول واحدة من أكبر التجمعات السياسية في تاريخ الجمهورية التركية، حيث نظّم حزب الشعب الجمهوري (CHP) مظاهرة ضخمة جمعت حوالي 2.2 مليون شخص. لم يكن هذا الحدث مجرد تجمع سياسي، بل كان منصة للتعبير عن القلق الشعبي إزاء المستقبل السياسي والاقتصادي للبلاد، كما شكّل محطة فارقة في خطاب المعارضة تجاه النظام الحاكم.
تعريف النظام الحاكم في تركيا
في تطور لافت، وصف رئيس حزب الشعب الجمهوري، أوزغور أوزيل، النظام الحالي في تركيا بأنه “نظام عسكري استبدادي”، وهو توصيف لم يسبق أن استخدمه الحزب بهذا الوضوح من قبل. هذا الخطاب يعكس تصاعد الانتقادات الشعبية للنظام الحاكم، حيث أكّد أوزيل على ضرورة كشف حلفاء هذا النظام والداعمين له، مشيرًا إلى وزير المالية، محمد شيمشك، باعتباره أحد أركان هذا الدعم.
ملف المعتقلين السياسيين: قضية توحّد المعارضة
هيمنت قضية المعتقلين السياسيين على أجواء المظاهرة، حيث برز اسم رئيس بلدية إسطنبول، أكرم إمام أوغلو، وسط تزايد المخاوف من استهدافه قضائيًا. عرض المنظمون مقطع فيديو له تم إنتاجه بتقنية الذكاء الاصطناعي، في خطوة رمزية تعبّر عن استمرار وجوده السياسي حتى في حال منعه من المشاركة مستقبلاً.
كما كان لذكر اسم صلاح الدين دميرتاش، الزعيم الكردي المعتقل، وقعٌ كبير، حيث حظي بتصفيق واسع من الجماهير، ما يعكس توجّه المعارضة نحو خطاب أكثر شمولية يجمع مختلف التيارات السياسية والاجتماعية في مواجهة السلطة الحاكمة.
تغييب الحدث عن المشهد الإعلامي
تعرض الإعلام الموالي للحكومة، لا سيما صحف مثل “حُرّيت” و”صباح”، بالإضافة إلى بعض القنوات التلفزيونية، لانتقادات لاذعة بسبب تجاهلها الكامل للمظاهرة. واعتبر قادة المعارضة هذا التجاهل دليلًا على افتقاد هذه الوسائل الإعلامية للحياد، واصفين الأمر بأنه “ورقة اختبار” تكشف للرأي العام مدى تواطؤ الإعلام الرسمي في التغطية على الأصوات المعارضة.
استراتيجية المعارضة: تصعيد سلمي وطويل الأمد
أكد المتحدثون خلال المظاهرة على أهمية تبنّي نهج سلمي ومستدام في مواجهة السلطة، مستلهمين تجارب شخصيات تاريخية مثل المهاتما غاندي في النضال السلمي. وشددوا على ضرورة توحيد صفوف المعارضة، حيث تم تسليط الضوء على مشهد رمزي جمع نساء محجبات وغير محجبات جنبًا إلى جنب، في رسالة تؤكد وحدة النسيج الاجتماعي التركي في مواجهة القمع السياسي.
الدعم الدولي: سلاح ذو حدّين
في ظل التحديات الداخلية، تطرّق المتحدثون إلى أهمية كسب تأييد المجتمع الدولي، حيث لقيت مقابلات أوزغور أوزيل مع وسائل الإعلام الأجنبية ترحيبًا كخطوة في الاتجاه الصحيح. ومع ذلك، حذر البعض من استغلال النظام الحاكم للدعم الخارجي بهدف تعزيز قبضته على السلطة وقمع المعارضة بغطاء دولي.
بين الزخم الشعبي والتحديات القيادية
عكست الحشود الضخمة في مالتبة حجم التوق إلى التغيير في تركيا، غير أن بعض المراقبين أشاروا إلى أن أداء المتحدثين لم يكن على مستوى الحماس الجماهيري. ومع ذلك، بدا أكرم إمام أوغلو الأبرز بين القيادات المعارضة، ما يعزز من احتمالات بروزه كزعيم مستقبلي في المشهد السياسي.
هل تكون مالتبة نقطة تحول؟
تمثل مظاهرة مالتبة علامة فارقة في الحراك المعارض، لكنها لا تزال بحاجة إلى قيادة أكثر حسمًا وخطط استراتيجية واضحة لضمان استمرارية هذا الزخم. في ظل تصاعد التوتر السياسي، يبدو أن تركيا مقبلة على مرحلة أكثر استقطابًا، حيث يبقى السؤال الأهم: هل تستطيع المعارضة تحويل هذه الطاقة الشعبية إلى تغيير فعلي في المشهد السياسي؟

