كشفت هيئة الأرصاد الجوية التركية عن تسجيل أدنى معدل هطول مطري في البلاد منذ أكثر من نصف قرن، وفق تقريرها السنوي حول “السنة المائية 2025” الذي يغطي الفترة من أكتوبر 2024 حتى سبتمبر 2025.
وأظهر التقرير أن كمية الأمطار التي هطلت على الأراضي التركية خلال هذه الفترة تراجعت بنسبة تتجاوز الربع مقارنة بمتوسط العقود الماضية، وبنحو الثلث مقارنة بالعام السابق، لتسجل البلاد أسوأ معدل منذ اثنين وخمسين عامًا.
ويُعد مفهوم “السنة المائية” مقياسًا أساسياً في تقييم موارد المياه والزراعة، إذ يشمل الدورة السنوية للأمطار التي يعتمد عليها المزارعون في الري والإنتاج الزراعي.
أزمة مائية وتهديد متزايد للجفاف
حذّرت وزارة البيئة والتحول المناخي من أن استمرار تراجع معدلات الأمطار سيعمّق أزمة الجفاف ويضع ضغوطًا إضافية على الموارد المائية في معظم الأقاليم التركية.
الخبراء يرون أن هذه المؤشرات ليست ظرفية، بل تمثل جزءًا من اتجاه مناخي طويل الأمد ناجم عن تسارع التغير المناخي، الذي يؤدي إلى تزايد فترات الجفاف والحرارة العالية، بالتوازي مع فترات مطرية غزيرة قصيرة المدى.
وتُعد مناطق الأناضول الوسطى والجنوب الشرقي الأكثر تضررًا، حيث تعاني بالفعل من نقص حاد في المياه الجوفية والسطحية، ما يهدد الأمن الغذائي ويضعف إنتاج المحاصيل الأساسية.
صيف غير مسبوق وحرارة قياسية
شهدت تركيا صيفًا شديد القسوة هذا العام، إذ سُجلت درجات حرارة هي الأعلى منذ 55 عامًا، حيث تجاوز متوسط يوليو المعدلات المعتادة بنحو درجتين مئويتين، وسُجلت ذروة بلغت أكثر من خمسين درجة مئوية في مدينة سيلوبي القريبة من الحدود العراقية.
وفي أغسطس، كسرت مدينة أضنة الجنوبية رقمها القياسي الممتد منذ 95 عامًا بحرارة بلغت سبعًا وأربعين ونصف درجة مئوية، ما أدى إلى اندلاع حرائق غابات واسعة في الغرب والجنوب.
إزاء ذلك، شهدت المساجد التركية مطلع أغسطس دعوات جماعية لصلاة الاستسقاء طلبًا للمطر، في مشهد عكس عمق القلق الشعبي من تفاقم الجفاف.
الزراعة في مهب الخطر
تسببت الظروف المناخية القاسية في تراجع إنتاج المحاصيل الزراعية التي تُعد من أهم صادرات تركيا العالمية مثل المشمش والتفاح والتين والبندق، والتي تغطي نحو سبعين في المئة من الإنتاج العالمي.
وأعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في نهاية أغسطس أن خسائر المزارعين المؤمنين بلغت نحو ثلاثة وعشرين مليار ليرة تركية، مؤكداً أن الدولة ستقدّم مساعدات عاجلة للمزارعين غير المؤمنين الذين انهارت دخولهم جراء الجفاف والحرارة المفرطة.
تحذيرات من تصحر واسع ومؤشرات خطيرة للمستقبل
دراسة بيئية حديثة حذّرت من أن نحو ثمانية وثمانين في المئة من الأراضي التركية مهددة بالتصحر خلال العقود المقبلة إذا لم تُتخذ إجراءات عاجلة للحد من استنزاف المياه.
ويتوقع العلماء أن تتراجع معدلات الأمطار بنحو الثلث بحلول نهاية القرن الحالي، فيما قد ترتفع درجات الحرارة بمقدار خمس إلى ست درجات مئوية مقارنة بفترة ما بين 1961 و1990.
ووفق مؤشر “فولكنمارك” للإجهاد المائي، أصبحت تركيا الآن ضمن قائمة الدول التي تعاني من “ضغوط مائية”، وتقترب سريعًا من تصنيف “البلدان الفقيرة مائيًا” إذا انخفض نصيب الفرد من المياه السنوية إلى ما دون الألف متر مكعب، وهو مستوى تحذيري يهدد البنية الزراعية والصناعية على حد سواء.
سبتمبر الأكثر حرارة منذ عقود
سجل شهر سبتمبر المنصرم ارتفاعًا جديدًا في درجات الحرارة، حيث بلغ متوسطها واحدًا وعشرين درجة وسبعة أعشار الدرجة، أي أعلى من المعدل المناخي المسجل بين 1991 و2020.
ووصلت أعلى درجة حرارة إلى أربع وأربعين ونصف درجة في مدينة جزرة بمحافظة شرناق، فيما شهدت مدينة أرضروم الشرقية أدنى درجة حرارة بلغت اثنتين فاصل أربعة تحت الصفر، مما يعكس اختلالًا مناخيًا واضحًا بين أقاليم البلاد.

