لوّح المجلس الأعلى للإذاعة والتلفزيون التركي بفرض عقوبات قاسية على القنوات المعارضة، وصلت إلى حد التهديد بإلغاء التراخيص، وذلك بعد المواجهات التي اندلعت بين الشرطة ومتظاهرين أمام مقر حزب الشعب الجمهوري في إسطنبول.
رئيس المجلس، أبوبكر شاهين، نشر بياناً على منصة “إكس” شدد فيه على ضرورة التزام القنوات بالقوانين الإعلامية، محذراً من بث أي محتوى قد “يؤجج الفوضى أو يحرض على العنف”، مؤكداً أن الانتهاكات ستواجه بجميع العقوبات الممكنة بما فيها الإغلاق الكامل.
ردود فعل غاضبة من النقابات والمدافعين عن حرية الصحافة
قوبل تصريح شاهين بانتقادات حادة من قبل المدافعين عن حرية الصحافة ونقابات الإعلام. اتحاد الصحفيين HABER-SEN وصف بيان شاهين بأنه “تلويح بالعصا” في وجه وسائل الإعلام، مؤكداً أن القانون التركي يمنع التدخل المسبق في البث، وأن رئيس المجلس الأعلى للإذاعة والتلفزيون تجاوز صلاحياته.
النقابة ذكّرت بأن المجلس تدخل بشكل غير قانوني في مارس الماضي عبر قطع بث مباشر لاحتجاجات المعارضة، معتبرة أن هذه الممارسات تندرج ضمن سياسة منهجية لتكميم الأصوات المعارضة.
سجل من العقوبات المتكررة
تشير بيانات الاتحاد الأوروبي للصحافة الحرة (MFRR) إلى أن المجلس فرض خلال النصف الأول من عام 2025 نحو ستة وأربعين إجراءً عقابياً، بينها اثنان وأربعون استهدفت وسائل إعلام معارضة، بإجمالي غرامات تجاوز مئة مليون ليرة تركية، أي ما يعادل نحو مليوني يورو.
القنوات المستهدفة تشمل محطات بارزة مثل TELE 1 وNOW TV وHalk TVوSözcü TV، وكلها تواجه تضييقاً بسبب تغطياتها للقضايا السياسية الحساسة.
هيكلية المجلس نفسه تعكس اختلال التوازن السياسي، إذ يتم تعيين أعضائه بحسب نسب تمثيل الأحزاب في البرلمان، ما يمنح حزب العدالة والتنمية الحاكم سيطرة شبه مطلقة على قراراته.
خلفية الاحتجاجات وقرارات القضاء
الاحتجاجات الأخيرة اندلعت عقب حكم قضائي مثير للجدل أبطل نتائج مؤتمر حزب الشعب الجمهوري في إسطنبول لعام 2023 بحجة مخالفات إجرائية، وهو القرار الذي أطاح بالقيادة المحلية للحزب، بما في ذلك رئيسه الإقليمي أوزغور تشيليك، ليتم تعيين لجنة مؤقتة بدلاً منها.
قيادة الحزب اعتبرت القرار “سياسياً بامتياز”، بينما دعا رئيس الحزب أوزجور أوزيل إلى مواجهة “الانقلاب القضائي” عبر المقاومة المدنية والدعاوى القضائية، محذراً من خطوات أكثر تصعيداً.
قمع متواصل واعتقالات واسعة
السلطات التركية فرضت حظراً لثلاثة أيام على التجمعات في وسط إسطنبول، وأغلقت محيط مقر الحزب بالحواجز الأمنية، ما أدى إلى مواجهات مباشرة مع المتظاهرين.
منذ أواخر عام 2024، تم توقيف واعتقال أكثر من خمسمئة شخص مرتبطين بالحزب أو ببلدية إسطنبول، من بينهم أربعة عشر رئيس بلدية، على رأسهم عمدة المدينة أكرم إمام أوغلو.
إمام أوغلو، الذي يُنظر إليه كأبرز منافس سياسي للرئيس رجب طيب أردوغان في انتخابات 2028، أوقف عن منصبه واعتقل في مارس 2025 بتهم فساد اعتُبرت على نطاق واسع مسيّسة. وقد صدرت بحقه أحكام بالسجن في قضايا مختلفة، بينها تهمة “إهانة مدعٍ عام”، وهي أحكام ما زالت قيد الاستئناف.
انعكاسات دولية وتحذيرات أوروبية
منظمات حقوقية دولية وأعضاء في البرلمان الأوروبي أعربوا عن قلقهم العميق حيال التدهور المستمر لسيادة القانون في تركيا، محذرين من أن الاعتقالات الجماعية والضغوط القضائية قد تسرّع من تآكل المعايير الديمقراطية.
سجن مرمرة في سيليفري، حيث يُحتجز العديد من شخصيات المعارضة، بات رمزاً للتوترات السياسية المتصاعدة في البلاد.
تركيا، التي تعاني منذ سنوات من سجل متدهور في حرية الصحافة، احتلت المرتبة 159 من أصل 180 دولة في التصنيف العالمي لحرية الصحافة لعام 2025 الصادر عن منظمة “مراسلون بلا حدود“.

