دخل مشروع الميناء الفضائي التركي في الصومال مرحلة التنفيذ الفعلي، بعد استكمال الدراسات الفنية والتصميمية التي استمرت لفترة، وبدء أعمال البناء الأولية على الأرض.
الإعلان جاء في سياق سياسي لافت، عقب تأكيد رئاسي تركي مشترك مع القيادة الصومالية، ما منح المشروع بعدًا استراتيجيًا يتجاوز الإطار التقني البحت.
وزير الصناعة والتكنولوجيا التركي أوضح أن المرحلة الأولى من الإنشاء انطلقت بالفعل، بعد أن أثبتت دراسات الجدوى أن الموقع الصومالي هو الخيار الأكثر ملاءمة مقارنة ببدائل أخرى، من حيث الكلفة التشغيلية والقدرة التقنية على تنفيذ عمليات إطلاق متقدمة.
الجغرافيا كعنصر حاسم
الاختيار الصومالي لم يكن اعتباطيًا، بل استند إلى معايير علمية دقيقة، في مقدمتها القرب من خط الاستواء، وهو عامل يمنح أفضلية تقنية للدول الساعية إلى دخول مجال الإطلاق الفضائي. هذا الموقع يسمح بتقليل استهلاك الوقود وزيادة الحمولة في بعض أنواع الإطلاقات، ما ينعكس مباشرة على الكفاءة الاقتصادية والتشغيلية.
كما أن الامتداد الساحلي المطل على المحيط الهندي، إلى جانب الخصائص المناخية المستقرة نسبيًا وانخفاض كثافة الحركة الجوية والبحرية، يوفر بيئة أكثر أمانًا لتنفيذ عمليات الإطلاق مقارنة بمناطق مزدحمة أو مغلقة جغرافيًا.
موقع واسع بوظائف متعددة
المساحة المخصصة للمشروع تمتد على نطاق جغرافي شاسع بمحاذاة الساحل الصومالي، ما يفتح المجال أمام استخدامات متعددة. فإلى جانب كونه منصة محتملة لإطلاق الأقمار الصناعية لأغراض تجارية، تشير المعطيات المتداولة إلى أن الموقع قد يُستخدم أيضًا كمرفق لاختبار تقنيات صاروخية بعيدة المدى، في ظل القيود الجغرافية المفروضة على مواقع الاختبار الحالية داخل الأراضي التركية، خصوصًا في شمال البلاد.
هذا البعد يضفي على المشروع حساسية إضافية، إذ يضعه عند تقاطع الصناعات الفضائية المدنية مع الاعتبارات الدفاعية والتكنولوجية المتقدمة.
برنامج وطني بأدوات خارجية
الميناء الفضائي يُعد جزءًا من البرنامج الفضائي الوطني التركي، وتُشرف على تنفيذه وزارة الصناعة والتكنولوجيا بالتعاون مع وكالة الفضاء التركية ومؤسسات أخرى، في إطار رؤية تسعى إلى ترسيخ موقع تركيا كفاعل ناشئ في مجال تكنولوجيا الفضاء.
وتعوّل أنقرة على أن يتحول المشروع إلى مصدر دخل عبر تقديم خدمات إطلاق أقمار صناعية لدول وشركات، إلى جانب تعزيز القدرات الوطنية في مجالات البحث والتطوير الفضائي.
الصومال بين الشراكة والتنمية
من الجانب الصومالي، يُطرح المشروع بوصفه فرصة تنموية، إذ يُنتظر أن يسهم في خلق بنية تحتية تقنية جديدة، ويجذب استثمارات مرتبطة بالقطاع الفضائي والخدمات المساندة له. وتؤكد أنقرة أن المشروع سيحمل مردودًا اقتصاديًا مباشرًا وغير مباشر للصومال، في سياق شراكة طويلة الأمد.
سياق سياسي وأمني أوسع
تتزامن هذه الخطوة مع توسع الحضور التركي في الصومال خلال السنوات الأخيرة، سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا. وقد شهدت العلاقات الثنائية تطورًا نوعيًا بعد توقيع اتفاق إطار للتعاون الدفاعي والاقتصادي، ما أرسى قاعدة مؤسسية لمشاريع استراتيجية مشتركة، من بينها هذا المشروع الفضائي غير المسبوق في المنطقة.

