أعلنت مفوضة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايجا كالاس عن إتاحة الفرصة لتركيا للمشاركة في مبادرة “الأمن من أجل أوروبا ” (SAFE)، وهي آلية تمويل دفاعي أوروبية جديدة تهدف إلى تعزيز الإنتاج والتنسيق العسكري داخل القارة.
هذه الخطوة تمثل تحولًا نوعيًا في العلاقة بين أنقرة وبروكسل، وتأتي في وقت يتزايد فيه التوتر السياسي بين الجانبين.
تفاصيل المبادرة: ما هي SAFE؟
تمت المصادقة على مبادرة SAFE في 27 مايو 2025 من قبل المجلس الأوروبي، كجزء من خطة بقيمة 150 مليار يورو لدعم المشاريع الدفاعية المشتركة وتقليل الاعتماد الأوروبي على الشركاء العسكريين الخارجيين، خصوصًا حلف الناتو.المبادرة تقع ضمن إطار أوسع باستثمارات تصل إلى 800 مليار يورو في استراتيجية الدفاع الأوروبية حتى عام 2030.
أهم ملامح المبادرة:
أهم ملامح المبادرة يتمثل في تقديم قروض طويلة الأجل وبفائدة منخفضةلتمويل الإنتاج الدفاعي، ومشاركة الدول غير الأعضاء، مثل تركيا ودول مرشحة أخرى، من خلال اتفاقيات رسمية، وإلزامية تنفيذ65٪ من المشروع داخل دول الاتحاد الأوروبي، بينما يمكن أن تصل مساهمة الشركاء من خارج الاتحاد إلى35٪ كحد أقصى، ومهلة تقديم المشاريع تنتهي في 30 يونيو 2027، على أن يُخصص كامل التمويل بحلول عام 2030.
تركيا والمشاركة في SAFE
بحسب تصريحات كالاس للصحفيين الأتراك في بروكسل، فإن تركيا، بصفتها دولة مرشحة لعضوية الاتحاد، ستتمكن من الاستفادة من قروض SAFE لتنفيذ مشاريع دفاعية مشتركة مع دول أوروبية، وذلك بشرط توقيع اتفاق رسمي وفقًا للمادة 17 من اللائحة التنظيمية الصادرة في 20 مايو.
الجدير بالذكر أن اليونان اعترضت على إدراج دول غير أعضاء، وطالبت بتصويت بالإجماع استنادًا إلى المادتين 212 و218 من معاهدة الاتحاد الأوروبي. إلا أن ألمانيا وخبراء قانونيين في الاتحاد رفضوا هذا الشرط، وتم استبعاده مع إبقاء المادة 212 كأساس قانوني لتنظيم الاتفاقيات.
دور تركيا المتنامي في الدفاع الإقليمي:
تشهد الصناعات الدفاعية التركية تطورًا ملحوظًا، خاصة في مجالات الطائرات المسيرة والأنظمة الذكية، ما يجعل انخراطها في SAFE فرصة استراتيجية للطرفين.
الاتحاد الأوروبي يرى في مشاركة تركيا فرصة لتقوية أمنه الإقليمي، وتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة، خاصة في ظل تزايد التحديات الجيوسياسية على حدود أوروبا الشرقية والجنوبية.
التوتر السياسي مع الاتحاد الأوروبي: تحدٍ قائم
رغم الجانب الإيجابي للمشاركة في SAFE، لا تزال العلاقة السياسية بين الاتحاد الأوروبي وتركيا مشدودة بسبب ما يعتبره الأوروبيون تراجعًا ديمقراطيًا داخل تركيا. إذ صنّفت تقارير منظمة “فريدوم هاوس“ تركيا في تقريرها لعام 2025 بأنها “غير حرة”، مستشهدة بتراجع الحريات المدنية وسيادة القانون.
كما أن الاتحاد الأوروبي انتقد مرارًا اعتقال المعارضين والصحفيين، وآخرهم عمدة إسطنبول أكرم إمام أوغلو في مارس الماضي بتهم فساد وُصفت بأنها “سياسية”، مما تسبب إلى تراجع الليرة التركية بشكل حاد واستدعى تدخلًا بقيمة 40 مليار دولار من البنك المركزي، وفق البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية.
كذلك رصد تقرير وكالة الحقوق الأساسية التابعة للاتحاد الأوروبي لعام 2024 استمرار تدهور استقلالية القضاء وحرية التعبير في تركيا، وأطلق مجلس أوروبا إجراءات عقابية ضد تركيا بسبب رفضها تنفيذ أحكام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان.
رؤية متباينة داخل الاتحاد الأوروبي:
ألمانيا وإسبانيا تدعمان التقارب الدفاعي مع أنقرة، وبدأت إيطاليا، رغم حذرها السابق، باستكشاف سبل جديدة للحوار الأمني الإقليمي مع تركيا.
من جانبها، تعتبر تركيا انضمام مؤسساتها لـ SAFE اختبارًا حقيقيًا لصدق نوايا الاتحاد الأوروبي في الشراكة العادلة، وفق تصريحات مصدر رسمي لوزارة الخارجية التركية.
تحليل استراتيجي: موازنة المصالح والقيم
يبقى التحدي الأكبر أمام بروكسل هو تحقيق التوازن بين الحاجة إلى شراكة استراتيجية مع تركيا في الدفاع، وبين الالتزام بالقيم الديمقراطية وحقوق الإنسان. فانضمام تركيا إلى SAFE قد يشكل نقطة تحول في العلاقة الثنائية، لكنه يتطلب رقابة دقيقة وضمانات للامتثال للمعايير الديمقراطية، خاصة في ظل المناخ السياسي المضطرب داخل تركيا.

