أفادت تقارير أن أنقرة تضع اللمسات الأخيرة على تشكيل وحدة عسكرية بانتظار تفويض أممي وسط رفض إسرائيلي وتصاعد اتهامات الإبادة الجماعية ضد تل أبيب
التحضير لتدخل تركي في إطار دولي
تتسارع في أنقرة الاستعدادات لتشكيل لواء عسكري قوامه نحو ألفي جندي، في إطار خطة دولية قيد النقاش تهدف إلى نشر قوة لحفظ السلام في قطاع غزة بعد الحرب. وتأتي هذه التحضيرات بالتوازي مع مشاورات مكثفة بين تركيا والولايات المتحدة وإسرائيل، وسط حديث عن إمكانية تفويض أممي لهذه المهمة.
تضم الوحدة التركية عناصر سبق أن شاركت في مناطق نزاع وعمليات حفظ سلام، ما يجعلها مؤهلة للمشاركة فيما يُتوقع أن يكون مهمة حساسة ومعقدة في بيئة ميدانية مضطربة.
خطة ترامب للسلام وموقع أنقرة منها
المقترح التركي يأتي ضمن خطة أوسع للسلام في غزة قدمها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وتتضمن إنشاء قوة متعددة الجنسيات لتتولى السيطرة على أجزاء واسعة من القطاع بعد إزاحة حركة «حماس» عن السلطة. وتطمح الخطة إلى فرض ترتيبات أمنية جديدة تمهّد لإعادة إعمار غزة وضمان عدم عودة المواجهات العسكرية.
لكن الخطة ما زالت تواجه عقبات كبيرة، إذ لم تصدر واشنطن موافقتها النهائية بعد، بينما أعلنت إسرائيل رفضها القاطع لوجود أي قوات تركية على الأرض، معتبرة أن أنقرة لا يمكن أن تكون طرفاً في ترتيبات ما بعد الحرب.
رفض إسرائيلي حاد وتصعيد سياسي
وزير الدفاع الإسرائيلي إسرائيل كاتس ردّ على مذكرة توقيف أصدرتها النيابة العامة التركية بحقه وبحق رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ومسؤولين إسرائيليين بتهم تتعلق بالإبادة الجماعية وجرائم الحرب، قائلاً إن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان «لن يرى غزة إلا من خلال المنظار».
كما أكد المتحدث باسم الحكومة الإسرائيلية أن «لا وجود لأي نية للسماح بوجود جنود أتراك على أراضي غزة»، مشدداً على أن إسرائيل ستتولى بنفسها ترتيبات ما بعد الحرب دون مشاركة من أنقرة.
الدور التركي بين السياسة والإنسانية
في المقابل، ترى أنقرة أن مشاركتها المحتملة في هذه القوة يمكن أن تسهم في فرض وقف دائم لإطلاق النار وضمان تدفق المساعدات الإنسانية وبدء عملية إعادة الإعمار. وأكد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أن أي مشاركة عسكرية تركية مشروطة بتفويض واضح من مجلس الأمن الدولي، في حين أبدى الرئيس إردوغان استعداد بلاده للمساهمة في حال صدور مثل هذا القرار.
تركيا تسعى أيضاً إلى لعب دور في الجوانب الإنسانية والسياسية للملف، إذ كشفت تقارير عن وساطتها في تسليم رفات الجندي الإسرائيلي هدار غولدن الذي قُتل في غزة عام 2014، في خطوة اعتُبرت مؤشراً على رغبة أنقرة في الحفاظ على قنوات تواصل عملية رغم التوتر السياسي الحاد. كما أشارت تسريبات أخرى إلى أن تركيا تتفاوض لتأمين ممر آمن لنحو مئتي فلسطيني يُعتقد أنهم محاصرون في أنفاق بمناطق خاضعة للسيطرة الإسرائيلية.
الخلافات حول التفويض الأممي وصياغة القرار
مشروع القرار الأممي الذي يجري تداوله ينص على تشكيل قوة متعددة الجنسيات تتولى مراقبة وقف إطلاق النار والإشراف على إعادة الإعمار، مع صلاحية استخدام القوة في حال رفض «حماس» نزع سلاحها طوعاً. وقد أبدت كل من تركيا ومصر اعتراضهما على صياغات تسمح باستخدام القوة ضد الفصائل الفلسطينية، معتبرتين أن مثل هذه البنود قد تؤدي إلى صدام مباشر داخل القطاع وتفشل جهود التسوية.
اتهامات الإبادة الجماعية تظلل المشهد الدولي
يتزامن النقاش حول نشر القوة الدولية مع تصاعد غير مسبوق في الاتهامات الموجهة إلى إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية في غزة منذ أكتوبر 2023. فقد أكدت تقارير أممية ومنظمات حقوقية أن الحصار والتجويع والقصف المنهجي والتهجير القسري تمثل أركاناً لجريمة الإبادة بموجب القانون الدولي.
المحكمة الدولية للعدل أصدرت ثلاث مجموعات من التدابير المؤقتة طالبت فيها إسرائيل بمنع الإبادة والسماح بدخول المساعدات ووقف عملياتها في رفح، بينما خلصت منظمات مثل العفو الدولية و«هيومن رايتس ووتش» إلى أن إسرائيل ترتكب فعلاً جريمة إبادة.
كما تبنّت جمعية علماء الإبادة الجماعية في أغسطس الماضي قراراً يؤكد انطباق تعريف الجريمة على أفعال إسرائيل في غزة، في حين أعلنت لجنة تحقيق تابعة للأمم المتحدة في سبتمبر أن إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية، مستندة إلى الأدلة على القتل الممنهج وخلق ظروف حياة ترمي إلى التدمير الكلي للسكان الفلسطينيين.
معادلات ما بعد الحرب: بين التدويل والسيادة
النقاش حول مشاركة تركيا في قوة حفظ السلام يعكس جدلاً أوسع بشأن مستقبل غزة بعد انتهاء العمليات العسكرية. فبينما تسعى واشنطن إلى تشكيل منظومة أمنية متعددة الأطراف، تصرّ إسرائيل على احتفاظها بالتحكم الميداني الكامل، فيما تحاول دول إقليمية كتركيا ومصر ربط أي تدخل خارجي بقرار أممي يضمن السيادة الفلسطينية ويمنع عسكرة القطاع مجدداً.

