أكدت وزارة الدفاع التركية أن دمج “قوات سوريا الديمقراطية” ضمن البنية الرسمية للدولة السورية لم يعد خيارًا قابلًا للنقاش بل ضرورة حتمية، مشددة على أنه “لا بديل” عن صيغة تعزز وحدة الأراضي السورية ومبدأ الدولة الواحدة والقيادة العسكرية الموحدة.
التصريحات جاءت على لسان المتحدث باسم الوزارة، الأميرال البحري زكي أكتورك، خلال الإحاطة الأسبوعية في أنقرة، حيث أوضح أن بلاده تتابع عن كثب مسار الترتيبات الجارية بين الحكومة السورية الانتقالية وقوات سوريا الديمقراطية، مؤكداً استعداد تركيا لاتخاذ “كل الإجراءات اللازمة” بما يتوافق مع مصالحها الوطنية.
اتفاق يناير: إعادة ترتيب المشهد العسكري في الشمال الشرقي
الموقف التركي يتقاطع مع اتفاق وقف إطلاق النار والإدماج الذي أُعلن أواخر يناير بين الحكومة الانتقالية في دمشق و”قسد”، وذلك بعد سيطرة القوات الحكومية على معظم المناطق التي ظلت خاضعة لسيطرة القوات الكردية في شمال شرق سوريا لأكثر من عقد.
ينص الاتفاق على انسحاب “قسد” من خطوط التماس، ودخول قوات تابعة لوزارة الداخلية السورية إلى مدينتي الحسكة والقامشلي، تمهيدًا لبدء عملية دمج تدريجية بين التشكيلات العسكرية. وتشمل الخطة إنشاء تشكيل عسكري جديد يضم ثلاثة ألوية من “قسد”، إضافة إلى لواء منها ضمن لواء حكومي في محافظة حلب.
كما يقضي التفاهم بإدماج المؤسسات المحلية والعاملين في الإدارة الذاتية الكردية ضمن مؤسسات الدولة السورية، في خطوة تهدف إلى إنهاء البنية الإدارية الموازية التي تشكلت خلال سنوات النزاع.
نقل السجون وحقول الطاقة إلى دمشق
جزء محوري من الاتفاق تمثل في تسليم السجون التي كانت تحت سيطرة “قسد”، إلى جانب حقول النفط والغاز، إلى الحكومة المركزية في دمشق. ويُعد هذا التطور تحولًا نوعيًا في ميزان السيطرة الاقتصادية والأمنية، نظرًا لأهمية هذه المواقع في معادلة النفوذ داخل البلاد.
الحسابات التركية: أمن الحدود أولوية
لطالما اعتبرت أنقرة أن وجود تشكيلات مسلحة كردية قرب حدودها الجنوبية يمثل تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي. وتربط تركيا بين “قسد” وحزب العمال الكردستاني، المصنف تنظيمًا إرهابيًا لديها ولدى عدد من حلفائها الغربيين.
ورغم ترحيبها المبدئي بخطة الدمج، تؤكد أنقرة أن أي تسوية يجب أن تنهي بالكامل أي كيان عسكري مستقل أو سلطة موازية على امتداد حدودها، بما يضمن عدم قيام بنية حكم ذاتي مسلح في الشمال السوري.
مرحلة انتقالية بعد سقوط الأسد
يأتي هذا المسار في سياق التحولات الكبرى التي أعقبت سقوط نظام بشار الأسد في أواخر عام 2024، وتشكيل حكومة انتقالية تسعى إلى إعادة بسط سيطرة الدولة على كامل الأراضي السورية.
السلطات الجديدة في دمشق تطرح الدمج كمدخل لإعادة توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية، وإنهاء التعددية المسلحة التي ميّزت سنوات الحرب.
موقف واشنطن: دعم الاندماج في الدولة الموحدة
الولايات المتحدة، التي نسجت شراكة عسكرية مع “قسد” في مواجهة تنظيم داعش، أبدت دعمها لإطار وقف إطلاق النار والدمج، معتبرة أن الفرصة الأفضل للأكراد السوريين تكمن في الاندماج الكامل ضمن دولة سورية موحدة.
هذا الموقف يعكس تقاطعًا مرحليًا بين واشنطن وأنقرة حول ضرورة الحفاظ على وحدة سوريا، رغم الخلافات السابقة بشأن طبيعة الدعم الأميركي للقوات الكردية.
قراءة في الاتجاهات المقبلة
التحدي الأساسي في المرحلة المقبلة يكمن في آليات التنفيذ، خاصة في ما يتعلق بإعادة هيكلة القيادات العسكرية، وضبط سلاسل القيادة، وضمان عدم بقاء هياكل موازية. كما أن تسليم الموارد الاقتصادية والسجون يفتح ملفات أمنية وإدارية معقدة، قد تؤثر على سرعة إنجاز الدمج.
من منظور أنقرة، نجاح العملية مرهون بتحقيق معادلة واضحة: وحدة سياسية وعسكرية سورية كاملة، من دون أي صيغة حكم ذاتي مسلح على حدودها الجنوبية.
خلاصة
تركيا ترى أن دمج “قسد” في الجيش السوري ضمن إطار دولة موحدة هو الخيار الوحيد المقبول لضمان استقرار الشمال السوري وأمن حدودها. المسار الجاري يعكس تحولات عميقة في موازين القوى بعد سقوط النظام السابق، وسط دعم دولي لفكرة الدولة السورية الموحدة.

