في تحول تاريخي يعيد رسم معادلة الأمن والاقتصاد في تركيا، أعلنت أنقرة أنها تتوقع مكاسب اقتصادية هائلة بعد إعلان حزب العمال الكردستاني (PKK) إنهاء تمرده المسلح الممتد لأكثر من أربعة عقود في جنوب شرق البلاد، وفق ما أوردته وكالة بلومبيرغ.
الخطوة، التي توّجت محادثات سلام مع زعيم الحزب المسجون عبد الله أوجلان، قد تفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الاستقرار وفرص الاستثمار، داخليًا وفي الساحة الإقليمية.
حسابات الخسارة: 1.8 تريليون دولار خلال 50 عامًا
وزير الخزانة والمالية التركي محمد شيمشك صرّح خلال جلسة نقاشية في منتدى قطر الاقتصادي بالدوحة، أن الحرب ضد الإرهاب منذ عام 1984 كلفت تركيا ما يقارب 1.8 تريليون دولار، استنادًا إلى دراسة غير منشورة.
وأوضح شيمشك أن الرقم لا يشمل فقط النفقات العسكرية المباشرة، بل يشمل أيضًا “التكاليف الفرصية”، أي المكاسب الاقتصادية التي ضاعت نتيجة تحويل الموارد نحو العمليات الأمنية بدلًا من التنمية.
“قال الوزير التركي: “لقد أهدرنا ما يقرب من 1.8 تريليون دولار في نصف قرن على محاربة الإرهاب. هذا هو الثمن الحقيقي للصراع”.
نهاية تمرد دامٍ: قرار تاريخي من حزب العمال الكردستاني
في خطوة غير مسبوقة، أعلن حزب العمال الكردستاني يوم 12 مايو حل نفسه، بناءً على نداء من زعيمه المسجون عبد الله أوجلان، الذي دعا في فبراير الماضي إلى وقف الصراع المسلح نهائيًا.
ومنذ عام 1984، شن الحزب تمردًا ضد الدولة التركية، أودى بحياة أكثر من 40 ألف شخص، واعتُبر من أكثر النزاعات دموية في تاريخ الجمهورية الحديثة. وقد أدرجته تركيا وحلفاؤها الغربيون على لائحة المنظمات الإرهابية.
الفرص الاقتصادية: من جنوب شرق تركيا إلى إعادة إعمار سوريا
ترى الحكومة التركية أن نهاية الصراع تفتح الباب أمام تحقيق مكاسب اقتصادية وتنموية واسعة، خصوصًا في الجنوب الشرقي الذي عانى من التهميش نتيجة النزاع.
كما تتطلع أنقرة إلى توسيع نشاطها الإقليمي، خاصة في سوريا، حيث يُتوقع أن تلعب الشركات التركية دورًا رئيسيًا في مشاريع إعادة الإعمار بعد تغيير الإدارة السياسية في دمشق، بحسب تصريحات رسمية.
وفي هذا السياق، تجري مفاوضات بين أنقرة وواشنطن بشأن تقليص دعم الولايات المتحدة للفصائل الكردية المسلحة في شمال سوريا، التي تعتبرها تركيا امتدادًا لحزب العمال الكردستاني.
السياق الإقليمي: إعادة تموضع استراتيجي
تُشكّل هذه التحولات جزءًا من إعادة التموضع الجيوسياسي الذي تشهده تركيا في السنوات الأخيرة، حيث تسعى إلى تحسين مناخ الاستثمار، وتخفيف التوترات الإقليمية، والتركيز على الفرص الاقتصادية في ما بعد الصراع.
ومع تصاعد التكلفة الاقتصادية للحروب والانقسامات، يبدو أن صناع القرار في أنقرة يدفعون باتجاه مرحلة “الاستثمار في السلام”، بدلًا من “الاستنزاف في الحرب”.

