يرى الكاتب والمحلل السياسي البروفسور صواش جنتش أن تركيا تمر بمرحلة دقيقة تقف فيها البلاد على حافة تحول خطير، قد ينقل النظام السياسي من استبداد انتخابي مرن إلى هيمنة سلطوية مطلقة.
وفي سلسلة من التأملات والتحليلات التي قدّمها في معرض رده على أسئلة متابعيه عبر صفحته على موقع يوتيوب، يؤكد الكاتب المتخصص في السياسة والعلاقات الدولية أن ما يفعله ليس تنبؤًا بنهاية الطريق، بل دعوة لفهم خارطة السلطة وخطوات النظام، للتمكن من مواجهتها.
الديمقراطية بين القمع والخداع: هل انتهى أفق الإصلاح؟
يشدد جنتش على أن تحليلاته لا تهدف إلى بث اليأس، بل إلى دعوة الناس لرؤية الواقع كما هو، فالنظام الحالي لا يكتفي بالهيمنة السياسية، بل يخطط لإقصاء المعارضة من المشهد بشكل كامل. ويؤكد أن عزم الحكومة على تعيين وصي على حزب الشعب الجمهوري (CHP) سيكون نقطة التحول الحاسمة، تُدخل تركيا رسميًا في عهد سلطوي قائم على انتخابات شكلية بلا معارضة حقيقية.
صراع داخل القصر: هل ما زالت هناك أصوات مختلفة؟
يشير الكاتب إلى تصريحات مثيرة أطلقها مستشار الرئيس التركي، محمد أوجوم، مدافعًا عن قاعدة “50+1” الانتخابية اللازمة لتسلم منصب الرئاسة التي سبق أن أبدى أردوغان امتعاضه منها. هذا التباين يُظهر وجود تباينات داخل النظام، إلا أنها تظل غير مؤثرة في مسار القرار النهائي الذي يبقى بيد الرئيس وحده.
تركيا = الدولة = أردوغان؟
يتساءل جنتش بمرارة عن مصير الدولة كمؤسسة مستقلة بعد أن أصبحت الحكومة متماهية تمامًا مع شخص الرئيس. ويشير إلى أن الهيكل الأمني قد يُستخدم لقمع أي تحرك احتجاجي، ما يجعل فكرة “المشي إلى القصر” ردًا على الانتهاكات أمرًا عديم الجدوى، بل ربما مُحبّذًا من قبل السلطة لاستخدامه كذريعة لتوسيع القمع.
خطة الاستيلاء على الشهب الجمهوري: هل يعاد إنتاج الحزب وفق المقاسات؟
يحذر الكاتب من أن تعيين وصي على حزب الشعب الجمهوري سيمنح السلطة فرصة لإعادة صياغة الحزب من الداخل عبر تغيير القيادات والهيكلة التنظيمية، تمهيدًا لاستخدامه كورقة شرعية لتعديل الدستور دون الحاجة إلى استفتاء شعبي. ويضيف أن زعيم الحزب السابق كمال كليتشدار أوغلو قد لا يمانع في هذه الصفقة، طالما أنه يستعيد مركزه الرمزي.
وحدة المعارضة… هشاشة وتشرذم
يُبرز جنتش حالة العزلة التي يعيشها رئيس الحزب الحالي أوزجور أوزيل، مؤكدًا أن خصومه ليسوا فقط في السلطة، بل أيضًا في صفوف حزبه، حيث تسعى بعض الأجنحة للتحالف مع السلطة تحت غطاء القانون. ويُشدد على غياب المؤسسات المستقلة، والإعلام المهني، والقضاء النزيه، ما يجعل مقاومة أوزيل أكثر صعوبة.
إمام أوغلو: الرمز الذي يُرعب السلطة
يتوقف الكاتب عند تصريحات لرئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو، الذي صرح من محبسه برغبته في هزيمة أردوغان في صناديق الاقتراع. جنتش يرى في هذا التصريح تمسكًا واضحًا بمبدأ الديمقراطية، ويعتبر أن السبب الحقيقي لاعتقال إمام أوغلو لا يكمن في مضمون القضية (الفساد)، بل في خوف السلطة من شعبيته وقدرته على تعبئة الشارع.
المستقبل السياسي: من أردوغان إلى بلال؟
يتحدث جنتش عن سيناريو أشد قتامة، حيث يرى أن التحركات السياسية والتعديلات الدستورية قد لا تهدف فقط لتمديد عهد أردوغان، بل ربما تمهّد لتوريث الحكم لنجله بلال أردوغان. ويرى أن هذا يُفسّر التصميم على السيطرة المطلقة على الأحزاب، والمؤسسات، والقضاء، والانتخابات.
تراجع التدين في تركيا: نتيجة حتمية للتوظيف السياسي للدين
يُورد الكاتب إحصاءات تفيد بانخفاض نسبة من يصفون أنفسهم بأنهم متدينون، وارتفاع نسبة غير المؤمنين. ويرى أن التلاعب السياسي بالدين، واستخدامه كأداة للشرعنة القمعية، كان له أثر عكسي على وعي الناس، ما أدى إلى نفور واسع من الدين كمنظومة قيم.
الرسالة الأخيرة: لا تلعنوا الدين بسبب من استبدّ باسمه
يختتم جنتش مقاله بنداء شخصي، يدعو فيه القراء إلى عدم الخلط بين الدين كقيمة إنسانية سامية، والسلطة التي تُسيء استخدامه. ويُحذر من أن الممارسات القمعية باسم الدين لا تسيء فقط للمجتمع، بل للإسلام ذاته.

