شهدت مدينة إزمير في غرب تركيا حادثة أثارت استنكاراً واسعاً داخل الأوساط التربوية والحقوقية، بعد قيام مفتشين من السلطات التعليمية باستجواب تلاميذ تتراوح أعمارهم بين تسع سنوات ومرحلة الثانوية في مدرسة “توفيق فكرَت”، وهي مؤسسة معروفة بتاريخها العلماني وتعليمها المستقل.
المفتشون دخلوا الفصول الدراسية من دون إشعار مسبق للأهالي أو هيئة التدريس، وطلبوا من عدد من التلاميذ مرافقتهم إلى مكتبة المدرسة لإجراء “مقابلات خاصة”، حيث وُجّهت إليهم أسئلة تتعلق بمضمون دروس الدين وسلوك المعلمين داخل الصفوف، إضافة إلى أسئلة غير معتادة عن مدى سماعهم لإهانات موجهة إلى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.
شهادات الأهالي بين الغضب والذهول
عائلات الطلبة تحدثت عن مشاهد أربكت الأطفال وأثارت الخوف في نفوسهم. إحدى الأمهات، وهي محامية، كشفت أن ابنتها البالغة تسع سنوات عادت إلى المنزل في حالة من الارتباك، متسائلة عن معنى “إهانة الرئيس” الذي لم تستوعب دلالته السياسية. وأضافت أن المفتشين أخذوا الرقم الوطني للطفلة وطلبوا توقيعها على وثائق لم تفهم محتواها.
أما والد آخر لديه أبناء في المرحلتين الابتدائية والثانوية، فأكد أن الطلاب الأكبر سناً طُلب منهم أداء قسم قبل الإجابة عن الأسئلة، وتلقوا استفسارات حول ما إذا كانوا سمعوا أي كلام مسيء للرئيس في منازلهم أو أثناء وجودهم في الأماكن العامة.
الأهالي وصفوا الإجراء بأنه مريب ومخالف لأعراف التفتيش التعليمي، التي عادةً تركز على متابعة المناهج وملاحظة الأداء التربوي للمدرسين، لا على التحقيق الفردي مع الطلاب خلف الأبواب المغلقة.
أبعاد قانونية واتهامات بانتهاك حقوق الطفل
الواقعة أبرزت مخاوف متزايدة من تجاوز السلطات الحدود القانونية في التعامل مع القاصرين. إقانون العقوبات التركي، ولا سيما المادة 299، يجرّم “إهانة رئيس الجمهورية” ويعاقب عليها بالسجن لمدة قد تصل إلى أربع سنوات، وهي مادة طالما واجهت انتقادات من المنظمات الحقوقية الدولية باعتبارها تُستخدم لقمع أصوات المعارضين والصحفيين والمواطنين العاديين.
محامون وأولياء أمور أكدوا عزمهم التقدّم بشكاوى رسمية أمام النيابة العامة ولدى مؤسسات الدفاع عن حقوق الطفل، مشيرين إلى أن استجواب القاصرين دون حضور أولياء أمورهم والحصول على توقيعاتهم الرسمية يمثل خرقاً واضحاً للمعايير الوطنية والدولية الخاصة بحماية الطفل والإجراءات القانونية السليمة.
خلفيات سياسية وتعليمية
الحدث لم يأتِ في فراغ، بل في سياق نقاش مستمر حول مكانة التعليم الديني في المدارس التركية وحدود استقلالية المؤسسات التعليمية الخاصة. المدارس التركية مُلزَمة بتطبيق مقررات “التربية الدينية والثقافة الأخلاقية”، إلا أن المدارس ذات التوجه العلماني تميل إلى تطبيق المناهج بطريقة أكثر انفتاحاً أو اختزالاً، ما يثير خلافاً دورياً مع السلطات التربوية.
يتقاطع هذا الجدل مع المشهد السياسي المشحون، حيث أصبحت تهمة “إهانة الرئيس” سيفاً قانونياً مُسلطاً على النقاش العام، بينما تسعى الحكومة إلى تعزيز حضور التعليم الديني كجزء من توجهها المحافظ.
غياب الوضوح الرسمي وتنامي القلق المجتمعي
حتى اللحظة، لم يصدر أي بيان رسمي يوضح الجهة التي أصدرت أوامر التفتيش أو الهدف الدقيق من التحريات. وزارة التعليم لم تعلن بعد ما إذا كانت ستراجع تصرفات المفتشين أو تعتبر الحادثة تجاوزاً للأنظمة الداخلية. في المقابل، تنتشر مطالبات من نقابات ومؤسسات مدنية تدعو إلى فتح تحقيق شفاف، مؤكدين أن استقلال العملية التعليمية يجب أن يبقى مصوناً من أي ضغوط سياسية أو أيديولوجية.
تداعيات محتملة
القضية قد تتحول إلى اختبار جديد للحكومة التركية في مدى التزامها بمعايير حقوق الطفل وحرية التعليم والتفكير، وسط مراقبة دولية متزايدة. كما يُتوقع أن تثير تساؤلات حول سلطة الأجهزة الإدارية في المدارس الخاصة، وحول ما إذا كانت ممارسة الرقابة السياسية تتسلل الآن إلى الفصول الدراسية ذاتها.
الخلاصة
الحادثة تكشف تصاعد التوتر بين نهج الدولة المحافظ وتقاليد التعليم العلماني في تركيا، كما تسلط الضوء على هشاشة الضمانات القانونية لحماية الأطفال وحرية التعبير في بيئة سياسية تزداد استقطاباً.

