في تحليل معمّق يقدّمه الكاتب الصحفي والمحلل السياسي التركي أرول مترجملر، تتجاوز الحرب الدائرة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، كونها مواجهة عسكرية تقليدية، لتتحول إلى نموذج معقّد يعكس تداخلًا غير مسبوق بين التكنولوجيا، والاقتصاد، والسياسة الدولية.
هذا الصراع، وفقًا لمترجملر، لا يمكن فهمه فقط من خلال موازين القوة العسكرية، بل يتطلب قراءة أوسع تشمل أدوات الحرب الجديدة، والفاعلين غير الحكوميين، ورأس المال العالمي.
الحرب الحديثة: من القوة الصلبة إلى الهيمنة الذكية
صعود الجيل الخامس من الحروب
يرى مترجملر أن العالم يشهد انتقالًا فعليًا نحو ما يُعرف بـ”حروب الجيل الخامس”، حيث لم تعد الكتلة العسكرية التقليدية هي العامل الحاسم. بل أصبح التفوق مرهونًا بعناصر مثل السرعة، والمرونة، والقدرة على معالجة البيانات الضخمة.
الطائرات المسيّرة، والهجمات السيبرانية، وأنظمة الذكاء الاصطناعي، لم تعد أدوات مساندة، بل أصبحت في صلب العمليات العسكرية.
الذكاء الاصطناعي وإشكالية الأخلاق
يشير التحليل إلى أن إدخال الخوارزميات في إدارة المعارك أوجد تحديات أخلاقية خطيرة، خاصة مع غياب العامل البشري في اتخاذ القرار.
حادثة استهداف مدرسة في إيران، التي أدت إلى مقتل أكثر من 170 بين طلاب ومعلمين، تُعد مثالًا صارخًا على المخاطر التي قد تنتج عن قرارات عسكرية مدفوعة بالأنظمة الذكية دون رقابة بشرية كافية.
كلفة الحرب: معادلة الاستنزاف الاقتصادي
اختلال ميزان التكلفة
يوضح مترجملر أن أحد أبرز ملامح الحرب الحالية هو التفاوت الكبير في كلفة السلاح. فبينما تستخدم إيران طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة، تُجبر الأطراف الأخرى على الرد بصواريخ باهظة الثمن، ما يخلق معادلة استنزاف اقتصادي طويلة الأمد.
الاقتصاد كعامل حاسم في استمرار الصراع
تشير التقديرات، وفق التحليل، إلى أن استمرار الحرب لأسابيع إضافية قد يشكل ضغطًا كبيرًا على الاقتصاد الإيراني، وهو ما ينطبق بدرجات مختلفة على إسرائيل والولايات المتحدة.
لكن الفارق الجوهري يكمن في أن الولايات المتحدة قادرة على تعويض تكاليفها عبر تصدير السلاح، بينما تضطر إيران إلى استهلاك إنتاجها العسكري داخليًا أو توزيعه على حلفائها الإقليميين.
الحروب غير المتكافئة: دور الفاعلين غير الدوليين
في ظل عدم تكافؤ القوة العسكرية، تعتمد إيران، بحسب مترجملر، على ما يُعرف بالحروب غير المتناظرة، من خلال دعم قوى إقليمية مثل حزب الله، وحماس، والحشد الشعبي، والحوثيين.
هذا النمط من الحروب يتيح لإيران الاستمرار في المواجهة، لكنه في الوقت ذاته يفرض عليها أعباء مالية واستراتيجية متزايدة.
إعادة تعريف الجغرافيا الاستراتيجية
من البر والبحر إلى الفضاء والطاقة
يشير التحليل إلى أن النظريات الكلاسيكية للهيمنة، مثل السيطرة على البر أو البحر، لم تعد كافية. فاليوم، تبرز أهمية الفضاء السيبراني، والأقمار الصناعية، وممرات الطاقة، وعلى رأسها مضيق هرمز، كمفاتيح جديدة للنفوذ العالمي.
الطاقة كمحرك للصراع
التحكم في مصادر الطاقة ومسارات نقلها بات عنصرًا مركزيًا في الصراع، ما يعيد تشكيل مفاهيم القوة الجيوسياسية، ويؤسس لنظرية جديدة مفادها أن السيطرة على ممرات الطاقة تعادل السيطرة على النظام الدولي.
رأس المال العالمي والحرب: دور الشركات العملاقة
بلاك روك: الاقتصاد في قلب الصراع
يتوقف مترجملر عند زيارة المدير التنفيذي لشركة بلاك روك، لاري فينك، إلى إسطنبول ولقائه بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان، بحضور كبار المسؤولين الاقتصاديين. ويطرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة هذه اللقاءات، خاصة في ظل غياب أي إعلان رسمي عن نتائجها.
شركات تستفيد من استمرار الحروب
يؤكد التحليل أن شركات إدارة الأصول الكبرى، مثل بلاك روك، تمتلك حصصًا في شركات صناعات عسكرية، ما يجعلها مستفيدة بشكل غير مباشر من استمرار النزاعات. بل إن هذه الشركات، بحسب الطرح، أصبحت لاعبًا مؤثرًا في صياغة السياسات الدولية، نظرًا لتداخلها مع مراكز القرار السياسي في الولايات المتحدة وأوروبا.
تركيا بين الضغوط الاقتصادية والتحولات الجيوسياسية
تساؤلات حول المفاوضات الاقتصادية
يثير مترجملر تساؤلات حول ما إذا كانت تركيا تسعى للحصول على تمويل خارجي، أو تقدم تنازلات اقتصادية محتملة، مثل الخصخصة أو الاستثمار في الموارد الطبيعية. كما يربط هذه التطورات بمؤشرات اقتصادية داخلية، مثل بيع احتياطيات الذهب، وتراجع احتياطات الطاقة.
الداخل الأمريكي: رفض متصاعد للحرب
احتجاجات ضد النهج السياسي
يشير التحليل إلى تصاعد الاحتجاجات داخل الولايات المتحدة، حيث خرجت مظاهرات واسعة تحت شعارات ترفض الحروب والسياسات الخارجية، وتنتقد النزعة السلطوية. ويرى مترجملر أن هذه التحركات قد تعكس بداية تحولات داخلية تؤثر على مستقبل السياسة الأمريكية.
استنتاجات استراتيجية: نحو عالم أكثر تعقيدًا
يخلص مترجملر إلى أن الحرب الحالية تقدم نموذجًا مصغرًا لحروب المستقبل، حيث تتداخل التكنولوجيا مع الاقتصاد، وتصبح الشركات الكبرى جزءًا من معادلة الصراع.
كما يؤكد أن الحسم العسكري لم يعد ممكنًا عبر الضربات الجوية وحدها، بل يتطلب مزيجًا من الأدوات التقليدية والحديثة، في ظل بيئة دولية شديدة التعقيد.

