تفاقمت الأزمة السياسية في تركيا مع إعلان السلطات القضائية في إسطنبول فتح تحقيق جديد بتهمة التجسس يستهدف رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو ومدير حملته الانتخابية نجدت أوزكان، اللذين يقبعان في السجن منذ سبعة أشهر ضمن تحقيق منفصل يتعلق بملفات فساد داخل بلدية إسطنبول.
التحقيق الجديد اتسع نطاقه ليشمل أيضاً الصحفي المعارض مردان يانارداغ، رئيس تحرير قناة «تِلِي 1» المعارضة، الذي أُلقي القبض عليه إثر مداهمة منزله ومكتبه في إسطنبول، بعد ورود اسمه في ملف القضية الذي تقول النيابة إنه يستند إلى «أدلة رقمية» صودرت من رجل أعمال يُدعى حسين غون، كان قد اعتُقل في يوليو الماضي على خلفية اتهامات بالتجسس لصالح جهات أجنبية.
اتهامات النيابة: “شبكة تجسس” و”تواصل مع جهات أجنبية”
النيابة العامة في إسطنبول زعمت في بيانها أن غون كان على صلة بضباط استخبارات أجانب، وأنه تواصل مع مدير حملة إمام أوغلو بطريقة «تُوحي بتلقي تعليمات». كما اتهم البيان الصحفي يانارداğ بالتواصل المتكرر مع غون والمشاركة في تنسيق الجانب الإعلامي لحملة المعارضة الانتخابية مقابل «مكاسب شخصية».
وذهبت النيابة أبعد من ذلك باتهام يانارداغ بـ«التعاون مع أجهزة استخبارات أجنبية للتأثير على انتخابات 2019 المحلية»، وهي الانتخابات التي فاز فيها إمام أوغلو برئاسة بلدية إسطنبول بعد إلغاء نتائج الجولة الأولى وإعادة التصويت، حيث انتصر بفارق أكبر في المرة الثانية، في ضربة قاسية لحزب العدالة والتنمية الحاكم الذي خسر السيطرة على العاصمة الاقتصادية للبلاد لأول مرة منذ عقدين.
ردود المتهمين: “مؤامرة مفبركة” و”هجوم سياسي سافر”
في أول تعليق له من السجن عبر محاميه، وصف مردان يانارداغ القضية بأنها «مؤامرة من الدرجة الخامسة»، معتبراً أن الادعاءات «ملفقة وسخيفة». وأكد أنه لا يعرف رجل الأعمال غون ولا علاقة له بأي أنشطة تتجاوز عمله الصحفي.
أما إمام أوغلو، المسجون في سجن مرمرة الشهير في سيليفري، فقد أصدر بياناً شديد اللهجة من محبسه، قال فيه إن «ما يجري تجاوز حدود المنطق والأخلاق»، معتبراً أن التحقيقات الجارية ليست سوى «كذبة فاضحة ومؤامرة شيطانية». وأضاف أن «مثل هذا الانحطاط الأخلاقي لا يمكن أن يخطر حتى ببال الشيطان».
تحقيق موازٍ: تسريب بيانات منصة بلدية إسطنبول
إلى جانب قضية التجسس، أعلنت النيابة العامة فتح تحقيق منفصل حول تطبيق بلدية إسطنبول الرقمي «إسطنبول سنين» (إسطنبول ملكك)، الذي أُطلق عام 2021 لتسهيل وصول المواطنين إلى الخدمات البلدية.
الادعاء قال إن شبكة وصفت بأنها «منظمة إجرامية يقودها إمام أوغلو بدافع الربح» قامت بتسريب بيانات ومواقع 4.7 ملايين مستخدم إلى دولتين أجنبيتين، إضافة إلى عرض بيانات 3.7 ملايين مستخدم للبيع عبر الإنترنت المظلم، كما زعمت النيابة أن بيانات 11 مليون ناخب جرى استخراجها من وحدة فرعية في التطبيق.
وقد أوقِف 13 شخصاً على خلفية هذه المزاعم، في حين لم تصدر بلدية إسطنبول بياناً رسمياً حتى الآن للرد على الاتهامات.
ردود المعارضة: “تجريم النصر الانتخابي” و”تسييس القضاء”
مسؤولو حزب الشعب الجمهوري، الذي ينتمي إليه إمام أوغلو، نددوا بما وصفوه «حملة منظمة لتجريم الفوز الانتخابي للمعارضة». وأكد نائب رئيس الحزب بورهان الدين بولوط أن تركيا وصلت إلى مرحلة «يُعامل فيها انتقاد الحكومة أو الفوز في الانتخابات كجريمة».
من جهته، اعتبر نائب الرئيس الآخر جوكان زيبك أن السلطة «فقدت اتصالها بالواقع»، محذراً من أن «الخلط بين المعارضة والعداء للدولة يُشكل خطراً على النظام السياسي بأكمله».
كما قالت المسؤولة في الحزب غُل جفتجي إن الادعاء «يختلق جرائم جديدة لإطالة حبس إمام أوغلو»، في ظل غياب لائحة اتهام رسمية منذ اعتقاله في مارس الماضي، وهو ما فجر احتجاجات شعبية واسعة في شوارع إسطنبول، وُصفت بأنها الأكبر منذ تظاهرات غيزي عام 2013.
السياق السياسي: ضغوط ممنهجة ومعركة ما قبل 2028
يُنظر إلى اعتقال إمام أوغلو على نطاق واسع باعتباره خطوة سياسية تهدف إلى إضعاف حزب الشعب الجمهوري قبل الانتخابات الرئاسية المقررة في عام 2028، إذ يُعدّ إمام أوغلو أبرز منافسي الرئيس رجب طيب أردوغان المحتملين وأكثرهم شعبية.
وتأتي هذه التطورات في الوقت الذي تواجه فيه المعارضة التركية حملة قضائية متصاعدة، حيث تم توقيف أكثر من عشرة رؤساء بلديات تابعين للحزب، إضافة إلى نحو خمسمئة من كوادره في أنحاء البلاد.
ويُلاحظ أن فتح التحقيق الجديد تزامن مع قرار المحكمة في أنقرة بإسقاط الدعوى التي كانت تطعن بشرعية مؤتمر حزب الشعب الجمهوري لعام 2023، في مشهد اعتبره مراقبون مؤشراً على ازدواجية المشهد القضائي بين التهدئة الشكلية والتصعيد العملي.

