تزايدت في الآونة الأخيرة هواجس أنقرة من انتقال المواجهات الروسية الأوكرانية إلى مستوى أكثر خطورة، مع تسجيل هجمات متتابعة في البحر الأسود استهدفت ناقلات نفط مرتبطة بروسيا. وفي هذا السياق، وجّه وزير الطاقة التركي ألب أرسلان بيرقدار رسالة واضحة للطرفين، محذراً من إدخال منشآت الطاقة في دائرة الاشتباك، باعتبارها شرياناً يمسّ مباشرة حياة المدنيين واستقرار الأسواق العالمية.
بيرقدار أوضح خلال لقائه مجموعة من الصحفيين في إسطنبول أنّ البنية التحتية للطاقة تعرضت بالفعل لضربات في كلٍّ من روسيا وأوكرانيا، مؤكداً أن أي اضطراب إضافي سيترك آثاراً تتجاوز ساحات القتال لتطال سلاسل الإمداد والأسواق الدولية.
هجمات على ناقلات النفط: تصعيد جديد في البحر الأسود
شهدت المياه المقابلة للسواحل التركية الأسبوع الماضي انفجارات استهدفت ناقلتي نفط كانتا تبحران خاليتين من الحمولة، وتبيّن أن إحداهما كانت متجهة إلى ميناء روسي. مصادر أوكرانية أشارت إلى استخدام مسيّرات بحرية لاستهداف الناقلتين، معتبرة أنهما كانتا تنقلان النفط الروسي بشكل غير معلن.
بعد ذلك بأيام، ضُربت ناقلة ثالثة خلال رحلتها من روسيا إلى جورجيا. ورغم إعلان موسكو أن الهجوم تم بمسيّرة أوكرانية، فإن كييف نفت مسؤوليتها عن العملية هذه المرة، ما أضفى المزيد من الضبابية على طبيعة التصعيد في البحر الأسود ومساراته المحتملة.
بيرقدار شدّد على أن تركيا تتابع هذه التطورات بقلق بالغ، لافتاً إلى أنّ استهداف منشآت أو خطوط أو سفن الطاقة لم يعد حدثاً عارضاً، بل تحول إلى نمط متكرر خلال الحرب.
موقف تركي ثابت: حماية تدفقات الطاقة عبر البحر الأسود والمضائق
على خلفية هذا التصعيد، أعادت أنقرة التأكيد على أن خطوط الإمداد الحيوية في البحر الأسود والمضائق التركية يجب أن تظل خارج نطاق الصراع. بيرقدار اعتبر أنّ ضمان استمرار حركة الطاقة — سواء عبر البحر أو خطوط الأنابيب — يشكل خطاً أحمر لتركيا التي تعتمد على استقرار تدفقات الغاز والنفط في تلبية احتياجاتها الداخلية وموقعها كممر للطاقة.
الضغط الأمريكي ومسألة تنويع مصادر الغاز
الولايات المتحدة كثفت خلال الفترة الماضية ضغوطها على حلفائها، ومنهم تركيا، لتقليص الاعتماد على النفط والغاز الروسيين. وفي لقاء رئاسي سابق في البيت الأبيض، أشار الرئيس الأمريكي إلى قدرة أنقرة على التأثير على قرارات موسكو، مطالباً بتقليص تعاملاتها في قطاع الطاقة مع روسيا.
بيرقدار أوضح أن بلاده تتعامل مع هذه المطالب بشفافية، لكنها في الوقت نفسه تضع احتياجات السوق الداخلي في المقدمة. وذكّر بأن روسيا كانت مورداً موثوقاً للغاز منذ أواخر ثمانينيات القرن الماضي، وأن حصتها من السوق التركية شهدت تقلبات واسعة عبر السنوات، مع حرص أنقرة الدائم على توزيع مصادرها لتفادي الارتهان لمورد واحد.
وأكد الوزير أن أمن الإمدادات هو الاعتبار الأول، وأن تركيا تتبنى مقاربة تقوم على مزيج واسع من الموردين، يشمل روسيا وإيران وأذربيجان ومصادر أخرى في إطار استراتيجية طويلة الأمد.
مفاوضات التمديد مع موسكو: عقود قصيرة الأمد بأسعار تنافسية
في ظل اقتراب نهاية عقد الغاز الموقّع مع روسيا نهاية العام الجاري، أشار بيرقدار إلى استمرار المباحثات مع “غازبروم” لتمديد التوريد خلال العام المقبل. وأوضح أن أنقرة تميل حالياً إلى عقود قصيرة الأجل، تمتد لعام واحد، بهدف تأمين أسعار منخفضة ومرنة، وتخفيف المخاطر المرتبطة بتقلبات السوق العالمية.
سياق إقليمي مضطرب: أهمية تركيا كممر للطاقة
تأتي هذه التطورات في وقت يشهد ملف الطاقة العالمي توترات متعددة، من ارتفاع المخاطر في البحر الأحمر إلى الاضطرابات المتكررة في خطوط الإمداد بالقوقاز وأوروبا الشرقية. وتدفع هذه الظروف تركيا إلى تعزيز موقعها كحلقة انتقال محورية للطاقة بين الشرق والغرب، وإلى تبني موقف حذر يوازن بين مصالحها الاستراتيجية وعلاقاتها مع الأطراف المتصارعة.

