في وقت تؤكد فيه أنقرة رسمياً وقف جميع أشكال التبادل التجاري مع إسرائيل على خلفية الحرب في غزة، كشفت تقارير إسرائيلية عن مشاركة وفد من مجلس العلاقات الاقتصادية الخارجية التركي وشركة بنية تحتية تركية في مؤتمر تمهيدي لمناقصة مشروع مترو تل أبيب، أحد أضخم مشاريع البنية التحتية في تاريخ إسرائيل.
المشاركة، إن ثبتت رسمياً، تضع الخطاب السياسي التركي في مواجهة مباشرة مع الوقائع الاقتصادية، وتعيد فتح ملف العلاقة المركبة بين المواقف العلنية والتشابكات التجارية الفعلية.
طبيعة الزيارة: مؤتمر تأهيلي لا يعني عرضاً رسمياً
بحسب ما نشره موقع i24NEWS، فإن ممثلين عن مجلس العلاقات الاقتصادية الخارجية التركي (DEİK) وشركة “سيمتاي” التركية للبنية التحتية حضروا جولة مهنية نظمتها شركة NTA Metropolitan Mass Transit System Ltd.، الجهة الحكومية الإسرائيلية المشرفة على مشروع المترو، بالتنسيق مع وزارة النقل الإسرائيلية.
الفعالية عُقدت في تل أبيب على مدى ثلاثة أيام وشملت زيارات ميدانية وعروضاً تقنية واجتماعات ثنائية مع شركات مهتمة بالمشاركة في المناقصة الدولية. وتندرج هذه الاجتماعات ضمن مرحلة “التأهيل المسبق”، التي تتيح للشركات إبراز قدراتها الفنية والمالية قبل دعوتها لتقديم عروض تفصيلية.
ومن المهم التمييز هنا بين حضور مؤتمر تعريفي وبين التقدم بعرض رسمي؛ فالمشاركة في هذه المرحلة لا تعني بالضرورة أن الشركة قدمت عرضاً أو ستقدمه لاحقاً. كما أن الجهات التركية المذكورة لم تصدر بياناً يؤكد أو ينفي الحضور، فيما لم تنشر الشركة الإسرائيلية القائمة الرسمية للمشاركين.
تصحيح معلومات مغلوطة حول الجهات التركية
التقرير الإسرائيلي أشار إلى مجلس العلاقات الاقتصادية الخارجية التركي باعتباره “شركة تركية”، بينما هو في الواقع مؤسسة دبلوماسية اقتصادية تعمل تحت إشراف وزارة التجارة التركية، وتنسق علاقات القطاع الخاص التركي بالخارج، ولا تمارس نشاطاً إنشائياً مباشراً.
كما أورد التقرير اسم شركة “أكورد” بوصفها شركة تركية، في حين أنها شركة أذربيجانية. ويُعتقد أن الالتباس ناتج عن علاقاتها القوية بتركيا، لا سيما ارتباط مديرها العام أيهان كسكينكليتش بشركات إنشاءات تركية، من بينها مجموعة “هاياب” في تركيا.
مشروع المترو: رهان استراتيجي إسرائيلي
المشروع المطروح يُعد من أكبر مشاريع النقل الحضري في إسرائيل، إذ تشمل مرحلته الأولى حفر 78 كيلومتراً من الأنفاق وإنشاء 59 محطة تحت الأرض، بتكلفة تقديرية تبلغ 65 مليار شيكل، أي نحو 18 مليار دولار وفق أسعار الصرف الحالية.
المخطط الكامل يمتد لنحو 150 كيلومتراً، ويربط 24 بلدية ضمن منطقة تل أبيب الكبرى المعروفة في إسرائيل باسم “غوش دان”. وتصفه وسائل الإعلام الإسرائيلية بأنه تحول بنيوي في البنية التحتية الحضرية، يوازي في حجمه مشاريع السكك الحديدية الكبرى في أوروبا وآسيا.
بالنسبة للشركات الدولية، يمثل المشروع فرصة ضخمة في سوق يتمتع بقدرة تمويلية عالية وضمانات حكومية مباشرة.
الحظر التركي المعلن: سياق سياسي ضاغط
تأتي هذه التقارير في ظل إعلان حكومة الرئيس رجب طيب أردوغان في مايو 2024 وقف جميع الصادرات والواردات مع إسرائيل، مبررة القرار بتفاقم الكارثة الإنسانية في الأراضي الفلسطينية.
الحرب اندلعت عقب هجوم شنته حركة حماس على إسرائيل في السابع من أكتوبر 2023، أعقبه هجوم عسكري إسرائيلي واسع على غزة. ومنذ ذلك الحين، تبنى أردوغان خطاباً سياسياً حاداً ضد الحكومة الإسرائيلية، وقدم نفسه كأحد أبرز المنتقدين لسياساتها، وسط ضغط داخلي من قوى سياسية ومنظمات مجتمع مدني طالبت بقطع العلاقات الاقتصادية بالكامل.
ورغم إعلان الحظر، أظهرت بيانات التجارة الدولية أن تركيا كانت خامس أكبر مورد لإسرائيل خلال عام 2024، بإجمالي صادرات بلغ 2.86 مليار دولار. كما تحدثت تقارير عن استمرار تدفقات تجارية عبر إعادة توجيه الشحنات من خلال موانئ وسيطة، أو عبر شركات طرف ثالث.
اتهامات دولية واستمرار الحرب
منذ أواخر 2023، حذرت تقارير أممية ومنظمات حقوقية من أن الحصار والقصف والتهجير القسري في غزة قد يندرج ضمن تعريف الإبادة الجماعية. وتشير السلطات الصحية المحلية في غزة إلى أن عدد القتلى تجاوز 71 ألفاً، في حين لم ينهِ وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في العاشر من أكتوبر الضربات الإسرائيلية بالكامل.
تقرير أممي صدر في أكتوبر أشار إلى أن تركيا كانت ضمن الدول التي “مكّنت” إسرائيل اقتصادياً، مستشهداً ببيانات حول استمرار شحنات نفط وعمليات إعادة تصدير من موانئ تركية إلى إسرائيل عبر وسطاء، رغم إعلان التعليق الرسمي للتجارة.
قراءة تحليلية: فجوة بين السياسة والاقتصاد
الجدل حول حضور كيانات تركية لمؤتمر مناقصة المترو يعكس إشكالية أعمق تتجاوز الحدث ذاته. فالعلاقات الاقتصادية بين الدول غالباً ما تكون أكثر تعقيداً من الخطاب السياسي، خاصة عندما يتعلق الأمر بمشاريع طويلة الأجل وعقود بنية تحتية ضخمة.
من الناحية القانونية، قد تجادل أنقرة بأن مرحلة التأهيل أو الاجتماعات التعريفية لا ترقى إلى مستوى “تجارة” فعلية، وبالتالي لا تخالف قرار وقف التبادل. غير أن الرأي العام ينظر إلى المسألة من زاوية أخلاقية وسياسية أوسع، لا سيما في ظل استمرار الحرب في غزة.
كما أن الشركات الخاصة، حتى عندما تعمل في بيئات سياسية مشحونة، تسعى إلى الحفاظ على حضورها في المناقصات الدولية الكبرى تحسباً لتحولات مستقبلية. هذا المنطق البراغماتي قد يتعارض مع الخطاب السياسي، لكنه يعكس طبيعة الاقتصاد المعولم حيث يصعب الفصل الكامل بين السياسة والتجارة.
خاتمة
التقارير عن حضور تركي في مؤتمر مناقصة مترو تل أبيب تضع أنقرة أمام اختبار دقيق بين التزاماتها السياسية المعلنة وتشابكاتها الاقتصادية الفعلية. وفي ظل حرب لم تنتهِ وتوترات إقليمية متصاعدة، تبدو العلاقة التركية–الإسرائيلية محكومة بازدواجية يصعب حسمها بين منطق الخطاب ومنطق المصالح.

