تواجه الحكومة العراقية أزمة تصدير نفطية متفاقمة نتيجة الاضطرابات الأمنية في الخليج والتراجع الحاد في الإنتاج الجنوبي، ما دفع بغداد إلى البحث عن مسارات بديلة لتصدير الخام عبر الشمال. وفي هذا السياق، توجهت وزارة النفط العراقية بطلب رسمي إلى حكومة إقليم كردستان للتعاون في نقل النفط من حقول كركوك إلى الأراضي التركية عبر شبكة الأنابيب القائمة.
طلب حكومي لتصدير مائة ألف برميل يومياً عبر الإقليم
أفاد مسؤولون في قطاع النفط بأن وزارة النفط في بغداد أرسلت رسالة رسمية إلى حكومة إقليم كردستان في أربيل تطلب فيها المساعدة في ضخ ما لا يقل عن مائة ألف برميل يومياً من الخام المنتج في حقول كركوك نحو تركيا.
ويقترح الطلب نقل هذه الكميات عبر البنية التحتية الحالية التي تديرها شركة خطوط أنابيب كردستان، وهي الشركة المسؤولة عن تشغيل خط الأنابيب الذي ينقل النفط من شمال العراق إلى نقطة الربط مع خط الأنابيب العراقي-التركي المتجه إلى البحر المتوسط.
وبحسب الترتيبات المقترحة، فإن بغداد ستتحمل رسوم العبور التي يفرضها الإقليم على النفط المنقول عبر أراضيه، في محاولة لتسهيل التفاهم مع حكومة الإقليم وضمان استئناف التصدير بسرعة. وحتى الآن لم يصدر رد رسمي من أربيل بشأن هذا الطلب.
خط كركوك – جيهان: شريان التصدير الشمالي
يمثل خط أنابيب كركوك – جيهان أحد أهم البنى التحتية النفطية في العراق، إذ يمتد لمسافة تقارب 970 كيلومتراً من حقول كركوك في شمال البلاد إلى ميناء جيهان على البحر المتوسط.
ولعقود طويلة شكّل هذا الخط المسار الرئيسي لصادرات النفط العراقية من الشمال، إلا أن دوره تراجع خلال السنوات الأخيرة نتيجة الخلافات بين بغداد وأربيل، إضافة إلى التحديات الأمنية والسياسية التي أثرت في تشغيله بشكل منتظم.
إحياء هذا المسار الآن يعكس محاولة عراقية لإعادة توظيف البنية التحتية القائمة لتخفيف الضغط عن الصادرات الجنوبية التي تضررت بشدة خلال الأزمة الأخيرة.
الحرب الإقليمية تضرب صادرات العراق الجنوبية
تأتي هذه الخطوة في ظل اضطراب واسع في أسواق الطاقة بعد الحرب التي اندلعت في المنطقة عقب الضربات التي نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران في نهاية فبراير، وما تبعها من هجمات إيرانية على مواقع ومصالح أميركية في دول الخليج.
وقد أثرت هذه المواجهة العسكرية بشكل مباشر على صادرات النفط العراقية من موانئ الجنوب المطلة على الخليج العربي، حيث تراجعت حركة الشحن بشكل كبير نتيجة المخاطر الأمنية التي تهدد الملاحة البحرية في المنطقة.
ووفق تقديرات قطاع النفط، انخفض إنتاج العراق من الحقول الجنوبية – التي تشكل العمود الفقري لاقتصاد البلاد – بنحو سبعين في المئة، ليتراجع الإنتاج من حوالي 4.3 ملايين برميل يومياً إلى نحو 1.3 مليون برميل فقط.
هذا التراجع الحاد في الإنتاج والصادرات دفع الحكومة العراقية إلى البحث بشكل عاجل عن بدائل قادرة على تعويض جزء من الخسائر المالية المتزايدة.
إعادة توزيع الخام بين الشمال والجنوب
تنتج الحقول الشمالية في كركوك حالياً نحو 350 ألف برميل يومياً. غير أن هذه الكميات تُوجَّه بالكامل تقريباً إلى المصافي المحلية في شمال العراق، وفي مقدمتها مصفاة بايجي التي تعد أكبر منشأة تكرير في البلاد.
ولتوفير كميات قابلة للتصدير عبر خط الأنابيب إلى تركيا، تخطط وزارة النفط العراقية لإعادة توزيع تدفقات الخام داخل البلاد. ويقوم المقترح على تحويل جزء من إنتاج الحقول الجنوبية إلى مصفاة بيجي لتعويض النفط القادم من كركوك، في حين يتم توجيه نفط كركوك نفسه إلى التصدير عبر خط كركوك-جيهان.
بهذا الترتيب تسعى بغداد إلى الحفاظ على تشغيل المصافي المحلية في الوقت نفسه الذي تستعيد فيه جزءاً من قدرتها التصديرية عبر المسار الشمالي.
تحديات مالية تضغط على الاقتصاد العراقي
يشكل النفط المصدر شبه الوحيد لإيرادات الدولة العراقية، إذ يعتمد تمويل الموازنة العامة بدرجة كبيرة على صادرات الخام. ولذلك فإن أي تراجع في الإنتاج أو التصدير ينعكس مباشرة على الوضع المالي للحكومة.
الانخفاض الحاد في الصادرات خلال الأسابيع الأخيرة يهدد بتفاقم الأزمة المالية في بلد يعاني أصلاً من ضغوط اقتصادية وتحديات هيكلية في إدارة موارده.
وفي ظل استمرار الاضطرابات الإقليمية، تبدو بغداد مضطرة إلى تنويع مسارات تصدير النفط وتعزيز التعاون مع إقليم كردستان وتركيا للحفاظ على تدفق العائدات النفطية التي يعتمد عليها الاقتصاد الوطني.
خلاصة
تسعى بغداد إلى إعادة تنشيط خط كركوك – جيهان عبر التعاون مع إقليم كردستان لتعويض خسائر صادرات النفط من الجنوب. وتكشف هذه الخطوة عن حجم الضغوط الاقتصادية التي يواجهها العراق في ظل الاضطرابات الإقليمية التي تهدد إمدادات الطاقة في الخليج.

