أعلنت المملكة المتحدة في استراتيجيتها الجديدة للأمن القومي لعام 2025 عن تسمية تركيا كـ”شريك رئيسي” ضمن خطتها لمواجهة التهديدات العالمية، في خطوة تعكس تصاعد الأهمية الاستراتيجية لأنقرة في الحسابات الأمنية البريطانية، وتأكيداً على العلاقات الدفاعية المتنامية بين البلدين داخل إطار حلف شمال الأطلسي.
الوثيقة التي حملت عنوان “استراتيجية الأمن القومي 2025: أمن الشعب البريطاني في عالم خطير“، شددت على أن تركيا “ضرورية لمصالح الأمن القومي البريطاني” على مختلف الجبهات الأوروبية وفي الأطراف الإستراتيجية لحلف الناتو.
الجغرافيا الحاسمة: تركيا عند مفترق الطرق الحيوي
توضح الاستراتيجية أن الموقع الجغرافي لتركيا، عند ملتقى البحر الأسود، والقوقاز، والشرق الأوسط وأفريقيا، يجعل منها ركيزة في حماية المصالح الغربية. ويبرز هذا التوجه ضمن سياسة بريطانية أوسع للتحرك بمرونة نحو شراكات استراتيجية ثنائية مع دول محورية، خارج الأطر التقليدية.
شراكة دفاعية متقدمة
من أبرز صور التعاون الاستراتيجي بين البلدين، مساهمة شركةBAE Systems البريطانية في مشروع المقاتلة الشبح التركية KAAN، حيث تقدم الشركة دعماً تقنياً وهندسياً منذ توقيع اتفاق عام 2017 مع شركة الصناعات الجوية والفضائية التركية (TAI).
وقد مثّل التحليق الأول للطائرة كاآن في 21 فبراير 2024 نقطة تحول في جهود أنقرة لتقليل اعتمادها على أنظمة السلاح الأجنبية، وتأكيداً على مساعيها لتحقيق استقلال صناعي دفاعي.
صفقة “يوروفايتر تايفون”: عقبات ألمانية ودعم بريطاني – إيطالي
من جهة أخرى، تواصل لندن دعم تركيا في محاولتها لشراء 40 طائرة يوروفايتر تايفون، التي تُنتَج بشراكة بريطانية – ألمانية – إيطالية – إسبانية. وبينما تؤيد بريطانيا وإيطاليا الصفقة، أعربت ألمانيا عن تحفظاتها على خلفية مخاوف تتعلق بحقوق الإنسان، خاصة بعد اعتقال عمدة إسطنبول أكرم إمام أوغلو في مارس الماضي.
وقد تراجعت الحكومة الألمانية المؤقتة في أبريل عن موافقتها السابقة على الصفقة. إلا أن آمال أنقرة تجد دعماً جديداً بعد تولي المستشار الألماني الجديد فريدريش ميرتس السلطة في مايو، والذي يُعرف بمواقفه الداعمة لتعزيز التعاون مع تركيا.
إطار تعاون رسمي: اتفاق نوايا مشترك في نوفمبر 2023
الأساس المؤسسي لهذا التعاون تعزّز في نوفمبر 2023، حين وقع وزيرا الدفاع في البلدين بيان نوايا لتوسيع التعاون الدفاعي، يشمل تعزيز التعاون الصناعي الدفاعي، وتوسيع برامج التدريب العسكري المشترك، والتنسيق في قضايا الأمن الإقليمي، خاصة في شمال أفريقيا والشرق الأوسط
وصف حينها وزير الدفاع البريطاني السابق غرانت شابس تركيا بأنها “حليف حيوي في الناتو”، بينما اعتبر نظيره التركي يشار غولر الاتفاق “ذو أهمية استراتيجية”، مشيراً إلى اهتمام بلاده بتوسيع التبادل التكنولوجي خاصة في مجالات الطيران والتطوير البحري.
مقاربة جديدة: الصمود السيادي والشراكات الموثوقة
تعكس الوثيقة البريطانية إدراكاً متزايداً بمخاطر عالمية متصاعدة، حيث تحدث رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر عن “تهديدات جديدة تظهر يومياً”، مشدداً على أهمية بناء شراكات موثوقة وتعزيز القدرات الذاتية.
تقوم الاستراتيجية على مفهوم “الصمود السيادي“، أي تعزيز القدرات الدفاعية الوطنية بالتوازي مع التعاون مع شركاء دوليين موثوقين. ومن ضمن المجالات التي توليها لندن أهمية خاصة: الأمن السيبراني والتكنولوجيا ذات الاستخدام المزدوج، وهي مجالات تُطوّر تركيا فيها قدرات لافتة.
بين التوترات والثقة: مستقبل الشراكة البريطانية – التركية
رغم التوترات السابقة بين تركيا وبعض حلفائها في الناتو، خاصة على خلفية صفقة منظومة الدفاع الروسية S-400 وعملياتها العسكرية في سوريا وشرق المتوسط، فإن الاستراتيجية البريطانية تعكس نهجاً مختلفاً، إذ ترى في أنقرة طرفاً فاعلاً يمكن توجيهه نحو مزيد من الاستقرار داخل الحلف.
ويؤكد محللون أن مستقبل هذا التعاون البريطاني – التركي سيتوقف على درجة الثقة المتبادلة والقدرة على التكيّف مع المتغيرات السياسية والأمنية الإقليمية والدولية.

