تقرير: ياوز أجار
شهدت الولايات المتحدة منذ السابع من أكتوبر 2023 تحولًا غير مسبوق في الرأي العام حيال الصراع الإسرائيلي–الفلسطيني. فبعد عقودٍ من الميل شبه التلقائي نحو إسرائيل، تشير استطلاعات الرأي الحديثة إلى أن التعاطف مع الفلسطينيين تجاوز للمرة الأولى منذ عام 1998 نظيره مع الإسرائيليين، ما يعكس انقلابًا عميقًا في المزاج الجمعي الأميركي على المستويين الأخلاقي والسياسي.
تراجع الدعم لإسرائيل وصعود التعاطف مع الفلسطينيين
نتائج «نيويورك تايمز» و«غالوب»
للمرة الأولى منذ أن بدأت صحيفة نيويورك تايمز تتبع اتجاهات الرأي العام الأميركي في هذه القضية عام 1998، أظهر استطلاع نُشر في سبتمبر 2025 أن35% من الأميركيين يتعاطفون مع الفلسطينيين، مقابل34% فقط مع الإسرائيليين.ويمثل هذا التحول انقلابًا دراماتيكيًا مقارنة بأكتوبر 2023 حين كانت النسب47% لإسرائيل و20% للفلسطينيين، أي بزيادة قدرها 15 نقطة في التعاطف مع الفلسطينيين، وتراجع 13 نقطة من رصيد إسرائيل خلال أقل من عامين.
من جهتها، سجّلت مؤسسة غالوب (Gallup) في استطلاعها لشهر يوليو 2025 انخفاض التأييد للأعمال العسكرية الإسرائيلية في غزة إلى32% فقط، بعد أن كان50% في نوفمبر 2023، فيما ارتفعت نسبة المعارضين من45% إلى 60% في الفترة ذاتها. كما أظهرت بيانات غالوب في مارس 2025 أن التعاطف مع الإسرائيليين انخفض إلى أقل من نصف الجمهور الأميركي لأول مرة منذ ربع قرن.
وفي استطلاع لاحق أجرته غالوب في سبتمبر 2025، قال60% من الأميركيين إن على إسرائيل إنهاء عملياتها العسكرية في غزة حتى من دون تحقيق أهدافها الأمنية مثل إطلاق الرهائن أو القضاء على حركة حماس، وهو ما يشير إلى أولوية الاعتبارات الإنسانية على الأمنية لدى أغلبية واضحة.
صعود التأييد لفلسطين واتساع المطالبة بالاعتراف الدولي
نتائج «جامعة ماريلاند»
استطلاع أجرته جامعة ماريلاند في أغسطس 2025 أظهر تقدمًا واضحًا في التعاطف الشعبي مع الفلسطينيين، إذ أعرب28% من الأميركيين عن تعاطفهم مع الفلسطينيين مقابل22% فقط مع الإسرائيليين، في أول مرة يتجاوز فيها الدعم للفلسطينيين الدعم لإسرائيل على المستوى الوطني.
كما أيد59% من الأميركيين اعتراف الولايات المتحدة بدولة فلسطينية مستقلة، بينهم80% من الديمقراطيين و41% من الجمهوريين — وهي سابقة في تاريخ الرأي العام الأميركي.
انقسام حزبي غير مسبوق
أشارت بيانات غالوب في يوليو 2025 إلى أن71% من الجمهوريين يوافقون على العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة، مقابل8% فقط من الديمقراطيين، وهو فارق قياسي يبلغ 63 نقطة مئوية.
أما فيما يتعلق بالتعاطف، فيدعم 75% من الجمهوريين إسرائيل مقابل10% للفلسطينيين، بينما لدى الديمقراطيين انعكست الصورة تمامًا:59% يتعاطفون مع الفلسطينيين مقابل 21% مع الإسرائيليين. وقد وصف مركز بيو للأبحاث
(Pew Research Center) هذا الانقسام بأنه «الأعمق منذ عام 1978».
ويمتد الخلاف الحزبي إلى المواقف السياسية؛ إذ يفضل معظم الديمقراطيين ربط المساعدات العسكرية الإسرائيلية بشروط تتعلق بحقوق الإنسان، بينما يتمسك الجمهوريون بضرورة استمرار الدعم دون قيد. كما يؤيد 80% من الديمقراطيين إقامة دولة فلسطينية، في مقابل41% فقط من الجمهوريين.
البعد الجيلي: فجوة تتسع مع الأجيال الجديدة
نتائج «هاريس» و«بيو»
يُعدّ الانقسام الجيلي السمة الأبرز في التحول الجاري. فبين الأميركيين دون سن الخامسة والثلاثين، لا تتجاوز نسبة المؤيدين للأعمال العسكرية الإسرائيلية 9%، في حين ترتفع إلى54% بين من تجاوزوا الخامسة والستين.
واستطلاع أجرته مؤسسة هاريس (Harris Poll) في أغسطس 2025 كشف أن60% من الجيل Z (14–28 عامًا) يؤيدون حماس على إسرائيل في الصراع القائم.
أما مركز بيو للأبحاث فأظهر أن61% من الأميركيين بين 18 و29 عامًا لديهم نظرة إيجابية تجاه الشعب الفلسطيني، مقابل46% فقط تجاه الشعب الإسرائيلي — وهو انخفاض قدره 17 نقطة في تقييم إسرائيل بين هذه الفئة منذ عام 2019.
وتُظهر هذه الاتجاهات أن التعاطف الفلسطيني في ازدياد مطّرد مع تغير الأجيال، مما يُنذر بانخفاض طويل الأمد في الدعم الأميركي التقليدي لإسرائيل.
انتقادات متصاعدة للقيادة الإسرائيلية
وفقًا لبيانات غالوب الصادرة في يوليو 2025، فإن52% من الأميركيين ينظرون نظرة سلبية إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بينما لا تتجاوز نسبة التأييد له29% — وهو أدنى مستوى منذ بدء تتبع المؤسسة لمكانته في الولايات المتحدة.
كما أظهر استطلاع جامعة كوينيبياك (Quinnipiac) في أغسطس 2025 أن50% من الأميركيين يعتقدون أن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية في غزة، مقابل35% لا يوافقون، فيما رأى40% من الناخبين أن الجيش الإسرائيلي يقتل المدنيين عمدًا — أي ضعف النسبة التي سُجلت في عام 2023.
الموقف داخل الجالية اليهودية الأميركية
حتى داخل المجتمع اليهودي الأميركي، تزايدت الانتقادات للسياسات الإسرائيلية. فقد أظهر استطلاع أجرته صحيفة واشنطن بوست في سبتمبر 2025 أن 61% من اليهود الأميركيين يعتقدون أن إسرائيل ارتكبت جرائم حرب ضد الفلسطينيين، و39% يرون أنها تمارس إبادة جماعية.
هذه الأرقام تُبرز أن الانقسام حول إسرائيل لم يعد سياسيًا أو أيديولوجيًا فحسب، بل امتد إلى المجتمعات التي كانت تُعد تاريخيًا الأكثر ولاءً لها.
الدور الحاسم لوسائل التواصل الاجتماعي والاحتجاجات الجامعية
أظهر تحليل اتجاهات الرأي في جامعة ماريلاند ومؤسسة Data for Progress أن التحول بين الشباب الأميركيين مرتبط بشكل مباشر بتعرضهم لمحتوى الأزمة الإنسانية في غزة عبر وسائل التواصل الاجتماعي مثل تيك توك وإنستغرام، التي أتاحت وصولًا مباشرًا إلى روايات وصور الفلسطينيين.
كما لعبت الاحتجاجات الجامعية في ربيع 2024، التي شارك فيها ما يقرب من8% من طلاب الجامعات الأميركية، دورًا مضاعفًا في ترسيخ التعاطف الشعبي وتوسيع دائرة النقاش العام حول المساعدات العسكرية الأميركية لإسرائيل.
الدعم لوقف إطلاق النار
وفقًا لاستطلاع أجرته منظمة Data for Progressفي يونيو 2024، أيّد64% من الناخبين المحتملين اتفاق وقف إطلاق النار الدائم، من بينهم86% من الديمقراطيين و64% من المستقلين و43% من الجمهوريين.
وفي استطلاعات لاحقة عام 2025، ارتفعت نسبة التأييد لوقف فوري لإطلاق النار إلى 84%، ما يؤكد أن الموقف الإنساني بات يشكل أولوية لدى الغالبية الساحقة من الأميركيين.
الأثر الانتخابي
أظهر استطلاع للرأي بعد انتخابات يناير 2025 أن29% من الناخبين الذين صوتوا لجو بايدن عام 2020 لكنهم لم يدعموا كامالا هاريس في انتخابات 2024، قالوا إن «إنهاء العنف الإسرائيلي في غزة» كان قضيتهم الأهم، متقدمًا على الاقتصاد.
وفي ولاية ميشيغان، ارتفعت النسبة إلى 32%، ما يشير إلى أن الملف الفلسطيني بدأ يؤثر فعليًا على قرارات التصويت داخل ولايات حاسمة انتخابيًا.
دلالات الاستطلاعات
التحول الجاري في الرأي العام الأميركي تجاه إسرائيل وفلسطين يمثل أعمق تغير منذ جيل كامل. فهو تحول يتجاوز السياسة الآنية ليعكس إعادة تعريف للقيم الأخلاقية الأميركية، خصوصًا بين الأجيال الشابة التي تضع المعاناة الإنسانية في مركز أولوياتها. وإذ يظل الجمهوريون متمسكين بالدعم التقليدي لإسرائيل، فإن تراجع التأييد في أوساط الديمقراطيين والمستقلين، واتساع الفجوة الجيلية، يُنذران بإعادة صياغة مستقبل العلاقة الأميركية–الإسرائيلية على المدى الطويل. أفضل وأقرب دليل على ذلك التصريحات الأمريكية الرسمية الحادة الأخيرة التي أبدت موقفا صارما ضد محاولات ضمّ أجزاء واسعة من الضفة الغربية إلى السيادة الإسرائيلية، ومن بعدها إيقاف ومنع الحكومة الإسرائيلية من اتخاذ خطوات عقابية بحق “حماس” عقب توقف الأخيرة مؤقتاً عن إعادة جثامين الإسرائيليين.

