قال الكاتب الصحفي والمحلل السياسي التركي أرقم طوفان، في تحليل قدمه عبر صفحته على يوتيوب، إنّ قضية رئيس النادي الرياضي لبلدية إسطنبول فاتح كَلَش تكشف بوضوح طبيعة الانحدار الذي وصل إليه القضاء في تركيا. فالرجل لم يتعرض فقط لمصادرة أمواله والاستيلاء على شركته، بل امتد الأمر إلى اعتقال شقيقه، ثم نجله، ثم ابن أخيه. وبعدها بدأت ضغوط متواصلة عليه ليقدم اعترافات جاهزة مقابل الحرية، ودفع أموال مقابل إسقاط التهم.
لكن كَلَش، بحسب طوفان، رفض في كل مرة، ليجد نفسه ضحية حملة تشويه منظمة تتزعمها وسائل الإعلام الموالية للسلطة، حيث جرى تقديمه كمتورط في مخطط اغتيال.
من داخل السجن إلى صفحات الصحف
يوضح طوفان أن سلسلة الأحداث تكشف خطة محكمة تمثلت في زيارة محامين لكَلَش في محبسه، لطلب تأكيد أقوال معينة مقابل العفو، ورفضه المتكرر لهذه العروض، وتسريب مزاعم المحامين أنفسهم إلى الصحافة الموالية بعد أيام قليلة، لتتحول إلى مانشيتات ضخمة مثل: “عصابة بلدية إسطنبول وخطة القتل المأجور“.
بهذا الشكل، يصبح الإعلام أداة تنفيذية للتشهير، في حين يعمل القضاء كختم رسمي لإضفاء الشرعية على سيناريوهات معدة سلفاً.
المسرح السياسي – القضائي
بحسب تحليل طوفان، لم يعد القضاء في تركيا قاعة محاكم، بل تحول إلى مسرح تديره السلطة من وراء الكواليس، فالأدوار موزعة بين الادعاء والمحامين والإعلام، والهدف واضح هو إما الرضوخ والاعتراف، أو التعرض للتشهير والتجريم، النتيجة نظام قائم على “المال أو الاعتراف.. وإلا الفضيحة والتشهير“.
نحو صورة دولة مافيوية
يصف طوفان هذا النمط بأنه نظام مافيوي مكتمل الأركان، حيث يُستَخدم الإعلام كذراع قمعية موازية للقضاء، بينما تتحول مؤسسات الدولة إلى أدوات ابتزاز.
يؤكد أرقم طوفان أن قضية فاتح كليتش ليست مجرد ملف قضائي، بل مثال حي على كيفية تحول القضاء والإعلام إلى أدوات بيد السلطة لإخضاع الخصوم السياسيين عبر الابتزاز والوصم الإعلامي.
من الصحافة إلى “التنفيذ الإعلامي“
يشير أرقم طوفان إلى أنّ وظيفة الإعلام في تركيا تغيّرت جذرياً في عهد السلطة الحالية. فبدلاً من كشف الحقائق، تحوّل الصحفيون الموالون للنظام إلى “حملة ملفات” مكلّفين بمهام محددة من القصر الرئاسي.
الإعلام هنا لا يجمع الأخبار، بل يتلقى ملفات جاهزة من الدولة: تقارير سرية من هيئة الرقابة المالية أو ملفات قضائية مغلقة، ثم تُعرض على الشاشات باعتبارها فضائح للرأي العام.
ويكشف طوفان أن بعض الأسماء الإعلامية المقرّبة من السلطة، مثل فؤاد أُغور ونديم شَنَر وجَم كوجوك، اعترفوا بأنهم تقاسموا هذه الملفات فيما بينهم، باعتبارها “مهام” موزعة عليهم من القصر. وهو ما يفضح دور الإعلام كأداة مباشرة في حملات التشويه الممنهجة ضد المعارضة، خصوصاً بلدية إسطنبول.
تواطؤ القضاء والإعلام
يضيف طوفان أن هذا النمط ألغى عملياً مفهوم العدالة. فقبل أن تصل القضايا إلى المحكمة، تكون قد تحولت إلى “محاكمة إعلامية” هدفها النيل من الخصوم، مع إعداد الرأي العام لتقبّل أي إجراء قضائي لاحق، مهما كان ملفقاً أو غير منطقي.
وبذلك، بات الإعلام ليس مرآةً للواقع، بل مطرقة سياسية في يد النظام، فيما يعمل القضاء كختم لتلك المسرحيات الإعلامية.
تركيا في مؤشرات الجريمة المنظمة
واحدة من أخطر النقاط التي يبرزها طوفان هي نتائج “المؤشر العالمي للجريمة المنظمة”، الذي وضع تركيا في صدارة أوروبا من حيث تورط الدولة في الجريمة المنظمة، وفي المرتبة الرابعة عشرة عالمياً بدرجة عالية جداً (تسع درجات).
ويشير إلى أن دولاً تعاني من انهيار كامل مثل اليمن والصومال حصلت تركيا على درجات أقل منها، ما يعني أن المؤسسات التركية – رغم استمرارها شكلياً – تعمل في العمق وفق عقلية مافيوية.
بحسب طوفان، هذا الوضع جعل المواطن التركي لا يخشى عصابات الشوارع، بل يخشى من “مافيات الدولة” المتغلغلة في الأجهزة الأمنية والقضائية والسياسية، في ظل تحالف معلن أو مستتر بين بعض السياسيين ورجال العصابات وشبكات تجارة المخدرات.
الدولة قوية على من؟
يعلق طوفان بسخرية مرة: السلطة تقول إنها “دولة قوية”، لكن قوتها تتجلى فقط ضد الأكاديميين والمعلمين والتجار والمعارضين السياسيين، بينما تظهر متساهلة أو متواطئة مع أباطرة الجريمة والمخدرات.
يرى أرقم طوفان أن تركيا تحولت من دولة مؤسسات إلى دولة جريمة منظمة، حيث يلعب الإعلام دور الأداة التنفيذية للقصر، فيما يتماهى القضاء مع هذه البنية، لينتج نظاماً يبتز المعارضة ويشرعن نفوذ المافيات.
حسابات إسرائيل المسموح بها.. والمعارضة الممنوعة
يلفت أرقم طوفان النظر إلى مفارقة صارخة: بينما تغلق السلطات التركية آلاف الحسابات المعارضة على منصات التواصل الاجتماعي، يبقى الحساب الرسمي لجيش الاحتلال الإسرائيلي باللغة التركية Turkish IDF مفتوحاً دون قيود.
هذا الحساب، الذي يبرر الحرب على غزة وما خلفته من عشرات آلاف القتلى، بما فيهم الأطفال والنساء، يُسمح له بممارسة الدعاية بلا قيود. في المقابل، تُقيد حسابات سياسيين معارضين، بل حتى حساب رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو.
ويضيف طوفان أن هذه الازدواجية تكشف حقيقة الموقف الرسمي: فالمزايدات الخطابية حول فلسطين لا تمنع استمرار التبادل التجاري مع إسرائيل خلف الكواليس، بينما يُسحق المواطنون الأتراك إذا تجرأوا على الاحتجاج ضد هذا التناقض.
ملف المفصولين: العدالة الناقصة
ينتقل طوفان إلى تصريحات رئيس حزب الديمقراطية والتقدم علي باباجان بشأن الموظفين المفصولين بقرارات الطوارئ. باباجان أقر بأن هذه القرارات افتقدت للشرعية القضائية، وأكد ضرورة إعادة من لم تثبت بحقهم تهم. لكنه، بحسب طوفان، وقع في تناقض: فهو من جهة ينتقد عدم استقلال القضاء، ومن جهة أخرى يشترط العودة إلى وظائفهم فقط لمن صدرت لهم قرارات “عدم الملاحقة” أو “البراءة” من هذا القضاء نفسه.
ويرى طوفان أن الحل العادل هو إعادة الاعتبار لجميع المفصولين تعسفياً، لأن الاعتماد على أحكام قضاء غير مستقل يكرس المأساة بدلاً من حلها.
حرائق الغابات ورائحة المال
في ختام تحليله، يتوقف طوفان عند كارثة الحرائق التي اندلعت مؤخراً في إزنيك – بورصة، والتي أتت على مساحات واسعة من الغابات، مخلّفة خسائر في الطبيعة والحياة الإنسانية. اللافت، وفقاً له، أن الحريق اندلع بعد يوم واحد فقط من منح ترخيص بيئي لشركة تعدين مملوكة لرجل أعمال مقرب من الحزب الحاكم. وكأن النار جاءت لتفتح الطريق أمام استثمارات جديدة على الأراضي المحترقة.
طوفان يرى أن ما يحدث ليس مصادفة بل يعكس “سياسة منظمة لتحويل الكوارث إلى فرص ربح”، حيث تتحول الغابات إلى “عقارات ذهبية” بمجرد احتراقها، وتُمنح الشركات المقربة من السلطة امتيازات استغلالها.
دولة تقتات على الأزمات
يخلص طوفان إلى أن النظام الحاكم بات ينظر إلى كل مأساة – من الاعتقالات السياسية إلى الكوارث الطبيعية – كفرصة لتعزيز سيطرته أو فتح أبواب جديدة للربح السريع لشبكة رجال الأعمال الموالين له.
بحسب أرقم طوفان، تكشف سياسات أنقرة عن نظام يقوم على الازدواجية: يقمع المعارضين ويمنح المساحة لخصوم الخارج، يحوّل القضاء إلى أداة للانتقام، ويستثمر حتى في حرائق الغابات. النتيجة، على حد تعبيره: تركيا لم تعد دولة مؤسسات بل “تنظيم جريمة منظم بواجهة رسمية“.

