في خضم تصاعد التوترات الداخلية في إيران وتزايد الضغوط الدولية، أجرى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان اتصالًا هاتفيًا مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، تناول تطورات الأوضاع في إيران، ومسار العلاقات الثنائية، وانعكاسات المشهد الإقليمي المتأزم. الاتصال، الذي أعلنت عنه الرئاسة التركية، حمل رسائل سياسية واضحة تعكس رؤية أنقرة تجاه ما يجري داخل إيران.
أنقرة ترفض أي سيناريو للتدخل الخارجي
خلال الاتصال، شدد أردوغان على أن تركيا لا تنظر بإيجابية إلى أي طرح أو سيناريو يقوم على التدخل الأجنبي في الشأن الإيراني، مؤكدًا أن هذا الموقف ليس وليد اللحظة، بل يمثل نهجًا ثابتًا في السياسة الخارجية التركية. وأوضح أن أنقرة تتابع التطورات في إيران عن كثب، وتولي أهمية خاصة للحفاظ على أمنها الداخلي واستقرارها السياسي، باعتبار ذلك عنصرًا أساسيًا لأمن المنطقة بأسرها.
الاحتجاجات والرد الأمني: أرقام متضاربة وسرديات متناقضة
شهدت إيران منذ أواخر ديسمبر موجة احتجاجات واسعة أربكت القيادة السياسية والدينية في البلاد، قبل أن تتراجع حدتها عقب حملة أمنية صارمة. السلطات الإيرانية أعلنت، في أول حصيلة رسمية، مقتل 3,117 شخصًا خلال الاحتجاجات، ووصفت 2,427 منهم بأنهم عناصر أمنية أو مدنيون أبرياء، بينما صنّفت بقية القتلى ضمن ما أسمته “أعمال شغب”.
في المقابل، تشكك منظمات حقوقية في هذه الأرقام، مؤكدة أن عدد الضحايا قد يكون أعلى بكثير، وربما تجاوز عشرات الآلاف، متهمة قوات الأمن باستخدام القوة المميتة بشكل مباشر ضد المتظاهرين.
واشنطن وتل أبيب: تصعيد في الخطاب وفتح باب الخيارات العسكرية
خلال فترة الاحتجاجات، لوّح الرئيس الأميركي دونالد ترامب بإمكانية التدخل العسكري، مهددًا باتخاذ إجراءات “قوية جدًا” في حال استهداف المتظاهرين السلميين أو تنفيذ أحكام إعدام بحق المعتقلين. هذا الخطاب التصعيدي تزامن مع استمرار اتهامات إيرانية للولايات المتحدة وإسرائيل بالوقوف خلف الاحتجاجات عبر التمويل والتسليح.
وفي سياق متصل، أبقى ترامب الباب مفتوحًا أمام عمليات عسكرية جديدة ضد إيران، خصوصًا بعد مشاركة واشنطن ودعمها لإسرائيل خلال حرب استمرت 12 يومًا في يونيو، ما زاد من هشاشة التوازن الإقليمي.
تحذيرات إيرانية ورسائل ردع
على الجانب الإيراني، أطلق قائد الحرس الثوري، اللواء محمد باكبور، تحذيرات مباشرة لكل من الولايات المتحدة وإسرائيل، محذرًا من “سوء التقدير” في التعامل مع إيران، ومؤكدًا أن القوات الإيرانية في حالة جاهزية عالية. هذه التصريحات جاءت في سياق محاولة رسم خطوط ردع واضحة في ظل التوتر المتصاعد.
الرؤية الإسرائيلية: تغيير النظام كأفق سياسي
في تصريح لافت خلال مشاركته في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، اعتبر الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ أن مستقبل الشعب الإيراني لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال تغيير النظام، واصفًا النظام القائم بأنه يمر بمرحلة هشاشة غير مسبوقة. هذا الموقف يعكس توجهًا إسرائيليًا داعمًا لتحولات جذرية داخل إيران، ويضيف بعدًا جديدًا للصراع السياسي المحيط بالاحتجاجات.
تركيا بين الحوار ومنع الانفجار الإقليمي
أردوغان، من جهته، شدد على أن معالجة الأزمات يجب أن تتم عبر الحوار السياسي وليس عبر التصعيد أو التدخل الخارجي، معتبرًا أن خفض التوتر يصب في مصلحة إيران وجيرانها والمنطقة ككل. وأكد أن أي انزلاق نحو مواجهة مفتوحة سيؤدي إلى تداعيات إقليمية واسعة، لا يمكن احتواؤها بسهولة.
خلاصة
تعكس المواقف التركية حرصًا واضحًا على منع تدويل الأزمة الإيرانية، مقابل تصاعد خطاب دولي يدفع باتجاه الضغط والتدخل. وبين الروايات المتناقضة حول الاحتجاجات، تبقى إيران محور توتر إقليمي مفتوح على احتمالات معقدة.

