أصدرت المحكمة الدستورية التركية حكمًا يؤكد أن توقيف هدى كايا، النائبة السابقة في البرلمان عن حزب الشعوب الديمقراطي (HDP)، في إطار محاكمات احتجاجات كوباني، شكّل انتهاكًا لحقوقها الأساسية، لا سيما حقها في الحرية والأمن.
وأورد موقع” بيانت” (Bianet) أن الحكم يُعد انتصارًا حقوقيًا للنائبة السابقة التي اعتُقلت أواخر عام 2023، وظلت في الحبس الاحتياطي لمدة ثمانية أشهر، قبل الإفراج عنها في أولى جلسات محاكمتها في يونيو 2024.
المحكمة: لا أدلة ملموسة تربط كايا بأعمال العنف
أكدت المحكمة الدستورية، في حيثيات حكمها، أن السلطات القضائية افتقرت إلى مبررات قانونية كافية لتبرير سجن كايا قبل المحاكمة، وأن النيابة لم تقدم أي دليل ملموس يربط كايا بأعمال العنف التي رافقت احتجاجات كوباني في أكتوبر 2014، سوى دورها آنذاك في الهيئة التنفيذية المركزية لحزب الشعوب الديمقراطي.
وأضافت المحكمة أن الملف يفتقر إلى رابط مباشر بين أفعال كايا الشخصية وأعمال العنف التي شهدتها التظاهرات، والتي اندلعت احتجاجًا على حصار تنظيم (داعش) لمدينة كوباني الكردية شمال سوريا، وأسفرت عن مقتل37 شخصًا في عموم تركيا، أغلبهم في مناطق ذات أغلبية كردية جنوب شرقي البلاد.
النيابة تُنتقد: تقاعس وتحقيقات سرّية تقوّض المحاكمة العادلة
وجهت المحكمة انتقادات واضحة لأداء النيابة، مشيرة إلى أنها لم تقدم أي دليل جديد رغم مرور نحو عقد من الزمن على أحداث كوباني، الأمر الذي أضعف الأساس القانوني للاعتقال.
كما اعتبرت المحكمة أن القيود السرّية المفروضة على ملف القضية، والتي منعت كايا ومحاميها من الوصول الكافي إلى وثائق التحقيق، شكلت انتهاكًا لحقها في محاكمة عادلة.
وعليه، أمرت المحكمة الحكومة التركية بدفع تعويض مالي غير مادي بقيمة 200 ألف ليرة تركية (نحو 4,900 دولار) لهدى كايا، تعويضًا عن انتهاك حقوقها الدستورية.
القضية جزء من موجة محاكمات كوباني: اتهامات ثقيلة ومسار مستمر
تُعد قضية هدى كايا جزءًا من المرحلة الثانية من محاكمات كوباني، إذ وُجهت لها ولأربعة سياسيين أكراد آخرين، اتهامات تصل إلى 29 تهمة، تشمل محاولة تقويض وحدة الدولة، و“الانتماء إلى منظمة إرهابية“، و“القتل العمد“.
وتأتي هذه المحاكمة في أعقاب الحكم في المرحلة الأولى من القضية عام 2023، والتي أدين فيها24 سياسيًا كرديًا سابقًا من حزب الشعوب الديمقراطي بعد محاكمة استمرت نحو ثلاث سنوات.
وقد أكدت السلطات التركية أن المتهمين حرضوا على أعمال الشغب، بينما دافع السياسيون الأكراد عن موقفهم باعتباره تعبيرًا سياسيًا مشروعًا تحت مظلة حرية التعبير والتضامن مع كوباني.
خلفية سياسية أوسع: استهداف الأحزاب الكردية منذ 2015
تعكس هذه المحاكمات ما يعتبره كثيرون تصعيدًا سياسيًا ممنهجًا ضد الحركة السياسية الكردية في تركيا، خاصة منذ انهيار مفاوضات السلام مع حزب العمال الكردستاني (PKK) عام 2015، وهو ما أعقبه تبني الحكومة التركية نهجًا قوميًّا متشددًا تجاه الفاعلين الأكراد.
يُذكر أن حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب يواجه منذ سنوات اتهامات متكررة بالارتباط بحزب العمال الكردستاني، المنظمة التي لا تزال تضنف إرهابية لدى تركيا وحلفائها الغربيين، رغم مفاوضات السلام الأخيرة، مما أدى إلى سجن العشرات من نوابه ومسؤوليه، فضلًا عن إغلاق أحزاب كردية متعاقبة بأحكام قضائية، وإعادة تشكيلها تحت أسماء بديلة.
مؤشرات على تحولات محتملة: بوادر جديدة لاستئناف عملية السلام
يتزامن هذا الحكم مع محاولات جديدة لاستئناف عملية السلام بين الدولة التركية وحزب العمال الكردستاني. فقد شهد البرلمان التركي هذا الأسبوع الاجتماع التأسيسي للجنة جديدة تهدف إلى دعم مبادرات السلام، في خطوة اعتبرها مراقبون إشارة إلى رغبة حكومية في تخفيف التوتر السياسي المرتبط بالقضية الكردية.

