تناول الكاتب التركي المتخصص في شؤون المجتمع والسينما نديم حذار في مقال تحليلي نشره بموقع (TR724) الإخباري مفهوم العصيان المدني، مسلطًا الضوء على تمظهراته التاريخية والاجتماعية في تركيا، ومقارنًا بينه وبين أشكال أخرى من المقاومة السلمية كالمقاطعة.
ووفقًا لما يراه الكاتب، فإن العصيان المدني لا يُعبّر عن مجرّد رفض سلبي أو انسحاب من الفعل السياسي، بل يشكل موقفًا أخلاقيًا ناشطًا يواجه السلطة القائمة عبر أدوات سلمية، يتقدّم فيها الضمير على القانون.
العصيان المدني: من ثورو إلى تركيا
أعاد الكاتب التذكير بجذور العصيان المدني كما صاغها الفيلسوف الأمريكي هنري ديفيد ثورو في مقاله الشهير عام 1849، حين دعا إلى أولوية الضمير الفردي على طاعة القوانين الظالمة. وقد شكّل هذا المبدأ، بحسب حذار، منطلقًا أخلاقيًا للعديد من أشكال المقاومة التي شهدها العالم، لا سيما في السياق التركي، حيث تجلّت عبر نماذج متعددة ذات طابع فردي وجماعي.
وأشار الكاتب إلى أن أحد أبرز تجليات هذا الموقف في تركيا تمثّلت في محاكمة إحدى المحاميات بتهمة “الدعاية الإرهابية” لمجرد مشاركتها في بيان صحفي دعت فيه إلى وقف العنف، مؤكدًا أن مثل هذه الممارسات توضح الفجوة بين متطلبات القانون ومقتضيات الضمير.
من المقاطعة إلى العصيان: تحوّلات المفهوم
وفي معرض تحليله للفوارق بين “المقاطعة” و”العصيان المدني”، لفت حذار إلى أن الأولى غالبًا ما تعبّر عن انسحاب واعٍ من المشاركة، بينما يشكّل الثاني فعلاً مباشرًا ضد السياسات أو القوانين الظالمة. واستعرض في هذا السياق نماذج عالمية مثل غاندي في “مسيرة الملح”، وروزا باركس في رفضها الجلوس في الجزء الخلفي من الحافلة، باعتبارهما لحظات فارقة في تجسيد العصيان المدني كأداة نضالية.

المشهد التركي: تراكمات تاريخية وتجارب متعددة
أوضح الكاتب أن تاريخ تركيا السياسي والاجتماعي شهد محطات متعدّدة من العصيان المدني، يمكن تتبّعها منذ احتجاجات الفلاحين في الستينيات تحت شعار “الأرض لمن يزرعها”، مرورًا بحركات الطلبة في السبعينيات، وانتهاءً بمواقف “الرفض الضميري” للخدمة العسكرية التي برزت في التسعينيات.
ومن أبرز هذه المحطات، أشار حذار إلى تجارب تايفون غونول وفيدات زنجير، اللذين رفضا أداء الخدمة العسكرية لأسباب ضميرية، في خطوة مثّلت مواجهة مباشرة مع الدولة، وتجسيدًا حيًّا لمفهوم “الحق في العصيان” كأحد أوجه المواطنة المسؤولة.
احتجاجات غيزي بارك: العصيان المدني في صورته الجماهيرية
سلّط الكاتب الضوء على احتجاجات غيزي بارك في عام 2013، التي تحوّلت من اعتصام بيئي محدود إلى حركة احتجاجية واسعة النطاق، رافضة لسياسات الحكومة. واعتبر أن تلك الاحتجاجات شكّلت نموذجًا جماهيريًا للعصيان المدني، مستشهدًا برمز “الرجل الواقف” الذي أصبح تعبيرًا صامتًا عن الرفض، وبمصطلح “تشابولينغ” الذي تحوّل إلى عنوان للفخر بالمقاومة.
كما أشار إلى حركة “أمهات السبت”، التي بدأت منذ عام 1995 في إسطنبول للمطالبة بكشف مصير أبنائهن المختفين قسرًا على يد الدولة، مؤكدًا أن استمرارهن في الاعتصام رغم التضييق يعكس عمق الالتزام الأخلاقي للمقاومة السلمية في وجه القمع.

العصيان في قطاع التعليم: رفض النظام لا الامتحان
تناول المقال كذلك مثالاً آخر على العصيان المدني تمثّل في احتجاج طلاب الثانويات عام 2008 على نظام امتحانات الجامعات (ÖSYM)، حيث قرّر بعضهم مقاطعة الامتحانات بالكامل، في تعبير رمزي عن الرفض المنهجي للتمييز الطبقي في النظام التعليمي. واعتبر حذار أن هذا النوع من العصيان يُعبّر عن تحوّل الوعي النقدي لدى الشباب إلى أداة للمطالبة بتغيير هيكلي.
الدفاع عن البيئة والجامعات: العصيان في صورته المؤسسية
أورد الكاتب أمثلة أخرى على العصيان المدني ظهرت في سياقات بيئية وأكاديمية، منها مقاومة الفلاحين في “بيرغاما” ضد مناجم الذهب، واعتصامات سكان منطقة “كاز داغلاري” لحماية الغابات من مشاريع التعدين، إضافة إلى توقيع مئات الأكاديميين على بيان “لن نكون شركاء في هذه الجريمة” عام 2016، احتجاجًا على سياسات الدولة الأمنية في المناطق الكردية، ما كلّفهم وظائفهم وحريتهم الأكاديمية.
خلاصة: الضمير في مواجهة السلطة
يختتم حذار تحليله بالتأكيد على أن العصيان المدني ليس مجرد فعل احتجاجي، بل هو موقف أخلاقي ينبع من قناعة داخلية بضرورة رفض الظلم، حتى وإن جاء مغلّفًا بالقانون. ويرى أن هذا الشكل من المقاومة بات يشكّل جزءًا أصيلًا من الوعي السياسي والاجتماعي في تركيا، حيث تتحوّل المبادرات الفردية إلى طاقة جماعية قادرة على التأثير وتحدي السلطوية.
ويخلص الكاتب إلى أن سؤال ثورو ما زال مطروحًا حتى اليوم: “إذا كان لكل إنسان ضمير، فلماذا يذعن للقانون؟”، مشددًا على أن الإجابة تكمن في شجاعة أولئك الذين اختاروا أن يسكنوا ضمائرهم لا القوانين.

