بقلم: طارق توروس *
يشهد العالم لحظة تحوّل فارقة، حيث يتفكك النظام الذي حكم العلاقات الدولية لعقود طويلة بعد الحرب العالمية الثانية. المؤسسات التي كانت تبدو راسخة تنهار، والقيم التي بُنيت عليها الديمقراطية وحقوق الإنسان وسيادة القانون تعاد صياغتها وفق مقاييس جديدة. نحن لسنا بصدد مجرّد انتقال سياسي أو اقتصادي؛ بل أمام انقطاع جذري عن الماضي دون خريطة واضحة للمستقبل.
انهيار النظام العالمي القديم
كان الإطار الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية قائماً على معاهدات ومؤسسات دولية تهدف إلى تحقيق الاستقرار من خلال التعاون الدبلوماسي والاقتصادي والقانوني. لكن اليوم، بدأت أركان هذا النظام تتداعى، والقواعد التي حكمت العلاقات الدولية تفقد أهميتها. لم يعد الأمر مجرّد تغيير طبيعي، بل فوضى تتصاعد في ظل غياب أي نظام بديل واضح. العالم يتجه نحو عصر من عدم اليقين، حيث تفقد الافتراضات التقليدية مصداقيتها، وتصبح الهيمنة الغربية على المشهد العالمي محل تساؤل.
إعادة تشكيل الحقائق السياسية
مع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في 20 يناير، شهدت السياسة العالمية صدمة قوية. خلال شهره الأول، زعزع ترامب التوازنات الراسخة من خلال دعوته إلى ضم غزة ووصفه للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بـ”الديكتاتور”، ما أدى إلى اهتزاز التحالفات التقليدية. أصبحت الولايات المتحدة نفسها في حالة اضطراب داخلي، فيما تعاني أوروبا من تراجع دورها على الساحة الدولية، مع تصاعد نفوذ روسيا والصين والهند.
في ظل هذا الواقع، تواجه أوروبا مأزقاً وجودياً. الناتو يعيش أزمة، والاتحاد الأوروبي يعاني من تهميش متزايد في المفاوضات الجيوسياسية الكبرى، ما يجبر دوله على إعادة النظر في سياساتها الدفاعية والخارجية. لم يعد العالم متعدد الأقطاب مجرد احتمال؛ بل أصبح حقيقة تفرض على الجميع إعادة التموضع وفقاً لتوازنات جديدة.
انهيار المشهد الإعلامي
في خضم هذه التحولات، شهد الإعلام التقليدي انهياراً حاداً، تاركاً فراغاً ملأته الفوضى والمعلومات المضللة. لم تعد المؤسسات الصحفية التقليدية قادرة على توجيه الرأي العام، في حين تحوّلت وسائل التواصل الاجتماعي إلى ساحات للصراع الأيديولوجي، تغذيها الخوارزميات التي تعزّز الانقسامات بدلاً من توحيد المجتمعات. الحقيقة لم تعد معياراً، بل أصبحت وجهة نظر تخضع لمصالح القوى المسيطرة على تدفق المعلومات.
الرقابة والتضليل وصناعة الغضب أصبحت الأدوات الأساسية للتحكم في الخطاب العام، حيث أضحت حرية التعبير مقيدة بإرادات سياسية واقتصادية. لم يعد الجمهور متلقياً للمعلومات بقدر ما أصبح مستهدفاً بعمليات تلاعب ممنهجة.
انهيار مفهوم حقوق الإنسان
القيم الأساسية التي كانت تُشكل الديمقراطية – مثل القانون والعدالة وحقوق الأفراد – تخضع لإعادة تعريف مستمرة بما يخدم مصالح القوى الحاكمة. لم تعد الحرية مكفولة بشكل مطلق، بل أصبحت مشروطة بمعايير ترسمها الشركات العملاقة والخوارزميات الذكية. الرقابة الرقمية، والتتبع البيومتري، والتحكم في شبكات التواصل، كلها أدوات جديدة تُستخدم لإعادة تشكيل مفهوم الحريات المدنية.
القوانين لم تعد تُصاغ فقط من قبل الدول، بل باتت تُدار من خلال كيانات خاصة لا تخضع للمساءلة العامة. حتى الانتخابات، التي كانت الركيزة الأساسية للديمقراطية، تحوّلت إلى مجرد طقوس شكلية تُكرّس الهيمنة بدلاً من أن تعبر عن إرادة الشعوب. السؤال لم يعد حول تصاعد الاستبداد، بل حول ما إذا كان النموذج الديمقراطي التقليدي قادراً على البقاء في شكله الحالي.
تركيا بعد أردوغان: بلد على مفترق طرق
بعد أكثر من عقدين في السلطة، حوّل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان البلاد إلى سجن مفتوح، لكنه الآن يواجه أضعف لحظاته سياسياً واقتصادياً ودبلوماسياً. ومع ذلك، فإن خروجه من المشهد ليس مسألة محسومة، بل يظل رهناً بعدة عوامل.
السيناريو الأكثر ترجيحاً هو هزيمته انتخابياً، خاصة في ظل الأزمة الاقتصادية المتفاقمة والغضب الشعبي المتزايد. لكن سيطرته على الإعلام وأجهزة الدولة الأمنية تجعل رحيله عبر صناديق الاقتراع أمراً معقداً. المعارضة لا تزال مفككة وتفتقر إلى قيادة قادرة على توحيد صفوفها ضد النظام. حتى في حال هزيمته، فإن النظام الذي بناه خلال عقدين قد يعرقل عملية انتقال السلطة.
هناك أيضاً احتمالات لتصدعات داخلية داخل حزب العدالة والتنمية الحاكم، نظراً لاعتماده المفرط على شخص أردوغان بدلاً من بناء مؤسسات قوية. التحالف القائم مع حزب الحركة القومية بقيادة دولت بهجلي قد يتعرض لهزات، مما يفتح الباب أمام إعادة ترتيب المشهد السياسي.
رغم ذلك، فإن أردوغان بارع في البقاء في السلطة، مستفيداً من التلاعب بالأزمات لصالحه. خلال الأزمة السورية، لعب بين موسكو وواشنطن، وخلال الحرب الأوكرانية، استغل التوترات بين كييف والكرملين. قدرته على تحويل الأزمات إلى فرص تظل عاملاً أساسياً في بقائه السياسي.
عصر اللايقين
العالم كما نعرفه يتغير بوتيرة متسارعة، حيث يتم إعادة تعريف مفاهيم القانون والسلام والكرامة الإنسانية من قبل قوى غير خاضعة للمساءلة الشعبية. السؤال الرئيسي الذي يفرض نفسه هو: هل سيكون للفرد دور في هذا النظام الجديد، أم أننا نشهد نهاية عصر الإرادة الحرة؟
في ظل هذا الواقع المضطرب، يبقى شيء واحد مؤكداً: لا يمكن الاستسلام لعدم اليقين كقدر محتوم. الدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان والحقيقة لم ينتهِ، بل دخل مرحلة جديدة تتطلب وعياً متزايداً ومقاومة مستمرة ضد محاولات إعادة تشكيل العالم وفقاً لأجندات غير معلنة.
* طارق توروس هو صحفي ومحلل سياسي يعيش في المنفى بالمملكة المتحدة. كان رئيس تحرير قناة “بوغون تي في” التي أغلقتها الحكومة التركية في 2015، وشارك في تأسيس “مون ستار تي في”، وهي منصة يوتيوب تقدم صحافة مستقلة للجمهور الناطق بالتركية.

