في قرار جديد يعزز سجل تركيا السلبي أمام القضاء الأوروبي، أدانت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان أنقرة بانتهاك المادة السادسة من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان الخاصة بالحق في المحاكمة العادلة، في ثلاث قضايا منفصلة تتعلق بفصل تعسفي وتأخير مفرط في العدالة، جميعها مرتبطة باتهامات غير مثبتة بـ”الانتماء إلى منظمة إرهابية” بناء على الصلة بحركة الخدمة التي تستلهم فكر الراحل فتح الله كولن.
ثلاث قضايا، حكم واحد: “العدالة التركية تفتقر إلى المعايير الدنيا“
قضية يلدريم ضد تركيا: فصل دون مبرر أو محاكمة
تقدم المواطن التركي يلدريم بدعوى إلى المحكمة الأوروبية بعد فصله من عمله في القطاع العام بقرار إداري تعسفي، بزعم صلته حركة الخدمة دون وجود شكوى أو تحقيق رسمي. المحكمة الإدارية في كاستامونو، ثم محكمة الاستئناف في أنقرة، وأخيراً المحكمة الدستورية، جميعها رفضت طعنه دون تقديم مبررات قانونية فردية.
المحكمة الأوروبية رأت في هذا تجاهلاً صارخاً لحق الفرد في الدفاع والشفافية، وأقرت بانتهاك المادة 6/1 من الاتفاقية الأوروبية، وحكمت لصالح يلدريم بتعويض قدره 2000 يورو عن الأضرار المعنوية.
قضية شيمشيك ضد تركيا: اتهام دون دليل وفصل تعسفي
القضية الثانية تتعلق بموظف في شركة مقاولات تابعة لبلدية عمرلي، يدعى مصطفى شيمشيك، فُصل بدوره بسبب مزاعم غير موثقة بارتباطه بـ”منظمة إرهابية”، لمجرد علاقته المزعومة مع حركة الخدمة. المحاكم المحلية، من بينها محكمة عمرلي المدنية، ومحكمة الاستئناف في غازي عنتاب، مروراً بالمحكمة الدستورية، رفضت دعواه دون إجراء تحقيق فردي أو الاستماع إلى دفاعه.
المحكمة الأوروبية رأت أن مؤسسات القضاء التركي فشلت في تقديم تبرير قانوني واضح، وتجاهلت مبدأ المحاكمة العادلة، وقررت تعويض شيمشيك بـ2000 يورو عن الأضرار المعنوية و250 يورو عن التكاليف القضائية.
قضية القاضي السابق مصطفى أكارسو: سبع سنوات انتظار للعدالة
في القضية الثالثة، أدانت المحكمة الأوروبية الحكومة التركية بسبب طول مدة النظر في الطعن المقدم من عضو محكمة التمييز السابق، مصطفى أكارسو، الذي أُقيل من منصبه بموجب قانون الطوارئ رقم 6723، في أعقاب محاولة الانقلاب عام 2016.
الطعن الذي قدمه في 19 أغسطس 2016 استمر حتى 5 أكتوبر 2023، أي أكثر من سبع سنوات، في مخالفة صريحة لمبدأ “المدة المعقولة” المنصوص عليه في الاتفاقية الأوروبية. حاولت الحكومة الدفاع عن التأخير بالإشارة إلى عبء القضايا على المحكمة الدستورية، وجائحة كوفيد-19، إلا أن المحكمة الأوروبية رأت أن تلك المبررات غير كافية.
بناءً عليه، حكمت المحكمة بدفع 4000 يورو كتعويض معنوي لأكارسو، معتبرة أن القضية تندرج ضمن “الحقوق المدنية”، وبالتالي مشمولة بالحماية الكاملة للمادة 6 من الاتفاقية.
السياق العام: سلسلة إدانات متواصلة لأنقرة في ستراسبورغ
تمثل هذه الأحكام حلقة جديدة في سلسلة إدانات متكررة لتركيا بسبب انتهاكات حقوقية ممنهجة أعقبت إعلان حالة الطوارئ بعد محاولة الانقلاب المثيرة للجدل في 2016. وشهدت تلك المرحلة عمليات فصل جماعي واعتقالات وعقوبات إدارية تعسفية شملت آلاف القضاة والموظفين والمواطنين، وسط غياب واضح للمعايير القانونية.
ورغم محاولة الحكومة التركية تبرير الإجراءات بأنها جزء من “تطهير المؤسسات”، إلا أن القضاء الأوروبي يواصل رفض هذه الذرائع، متمسكاً بالمبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة والحقوق الفردية.
المعارضة الحقوقية تتابع.. والإعلام التركي يتجاهل
الدكتور أفق يشيل، محامٍ ومدافع عن حقوق الإنسان، نشر عبر حسابه الرسمي تفاصيل الأحكام الثلاثة، مؤكداً أن “النمط المشترك هو تجاهل القضاء التركي للمعايير الدنيا للمحاكمة العادلة، وغياب أي تقييم فردي للحالات”. وأوضح أن هذه الإدانة “تعكس أزمة ثقة عميقة في النظام القضائي التركي“.
في المقابل، لم تحظ هذه الأحكام بتغطية في وسائل الإعلام الرسمية، ما يعكس استمرار حالة التعتيم الإعلامي حول الانتهاكات القضائية والحقوقية في تركيا.

