سجلت مدينة سلوبي، الواقعة جنوب شرقي تركيا، درجة حرارة غير مسبوقة بلغت 50.5 درجة مئوية، لتكون الأعلى في تاريخ البلاد، في ظل موجة حر خانقة تضرب المنطقة وتضع السكان المحليين أمام معاناة يومية، وسط مطالبات متصاعدة بتدخل الدولة لدعم فواتير الكهرباء التي أثقلت كاهلهم، ومخاوف متزايدة من الحرائق والجفاف.
حرارة تتجاوز حدود الاحتمال
أعلنت مديرية الأرصاد الجوية التركية أن درجة الحرارة في مدينة سلوبي التابعة لولاية شرناق بلغت 50.5 درجة مئوية يوم الجمعة، متجاوزة الرقم القياسي السابق البالغ 49.5 درجة والمسجل في أغسطس 2023. وترافق هذا الارتفاع الحاد بدرجات الحرارة مع موجة حر أثّرت على عموم البلاد، حيث تجاوزت المعدلات الموسمية بـ6 إلى 12 درجة.
وفي تصريح لوكالة الصحافة الفرنسية، قال رجب إيشييوك (59 عاماً)، وهو صانع مثلجات محلي: “أعيش في سلوبي منذ نحو 30 عاماً، ولم أرَ حرارة كهذه من قبل. إنها غير مسبوقة.”
وعلى الرغم من امتلاكه مكيف هواء في متجره، فإن إيشييوك أعرب عن قلقه من التكاليف الباهظة، مشيراً إلى أن فاتورة الكهرباء لشهر واحد فقط بلغت 59 ألف ليرة تركية (نحو 1450 دولاراً)، مطالباً الدولة بتقديم دعم مباشر لتغطية تكاليف التبريد.
موجة حر غير مسبوقة بفعل تغير المناخ
يرى الخبراء أن هذه الظواهر المناخية الحادة مرتبطة بشكل مباشر بتغير المناخ العالمي، الناتج عن الاستخدام المكثف للوقود الأحفوري. وقال الصحفي المحلي خليل جوشكون (52 عاماً): “لقد بلغت الحرارة مستوى لا يُقارن بسنوات سابقة”.
وفي ظل هذه الظروف، لا تزال تركيا تعاني من موجة حر متواصلة، وسط تحذيرات من تفاقم الوضع مع غياب الهطولات المطرية، وانخفاض نسبة الرطوبة، واستمرار الرياح الجافة.
التهديد المستمر بحرائق الغابات
تواجه تركيا منذ بداية الصيف سلسلة حرائق مدمرة في مناطق متعددة، كان أعنفها حريق إقليم إسكيشهير الذي أودى بحياة عشرة أشخاص خلال عمليات الإطفاء. وأوضح الرئيس رجب طيب أردوغان في تصريح له يوم الإثنين أن البلاد تمر بمرحلة مناخية أكثر جفافاً منذ خمس سنوات، محذراً من أن “الحرارة الشديدة، وانخفاض الرطوبة، والرياح القوية، تزيد للأسف من خطر اندلاع الحرائق”.
وأضاف أردوغان أن الدولة تعتمد حالياً على تقنيات المراقبة الحديثة، ومنها الطائرات المسيّرة، لحماية الغابات من الحرائق، في خطوة تهدف إلى تعزيز القدرة على الاستجابة السريعة.
سلوبي مدينة منهكة: تجارة محدودة وغياب للمظلات الطبيعية
تُعد سلوبي مدينة كردية تقع عند سفح الجبال، وتُعتبر التجارة مع العراق، الذي يبعد 10 كيلومترات فقط عن المدينة، المصدر الرئيسي لدخلها. ومع تفاقم الحرارة، أصبحت شوارع المدينة شبه خالية خلال ساعات النهار، وسط أجواء خانقة وتوتر اجتماعي متصاعد.
وأعرب السكان عن استيائهم من انعدام الغطاء النباتي، إذ تم قطع العديد من الأشجار سابقاً لأسباب أمنية. وعلّق الصحفي جوشكون قائلاً: “للأسف، تم إحراق الغابات في الماضي لأغراض أمنية خلال عمليات الجيش التركي ضد مقاتلي حزب العمال الكردستاني.”
وتابع قائلاً: “إذا أردنا التخفيف من أثر هذه الحرارة، فعلينا زراعة الأشجار بدلاً من قطعها.”
غضب من فواتير الكهرباء ومطالبات بالدعم الحكومي
تعالت الأصوات المطالبة بدعم حكومي مباشر لفواتير الكهرباء، مع ازدياد الاعتماد على أجهزة التكييف. جميل ساهر (51 عاماً)، صاحب مطعم كباب في سلوبي، أكد أن الصيف في مدينته لا يمتد لثلاثة أشهر فقط بل إلى خمسة، مضيفاً: “جهاز التكييف بات ضرورياً كالماء والخبز. لكننا نُنهك من الفواتير، ولا نحقق أرباحاً لأن معظم الدخل يُدفع للكهرباء”.
ودعا ساهر الحكومة إلى منح تخفيضات في فواتير الكهرباء لا لسلوبي فقط، بل لجميع مدن المنطقة الشرقية، من سلوبي إلى شانلي أورفا.
تطورات قانونية ومناخية تزيد الوضع تعقيداً
في تطور يثير مزيداً من القلق، مرّر البرلمان التركي هذا الشهر مشروع قانون يسمح بفتح بعض الأراضي الزراعية — بما في ذلك أراضٍ مزروعة بأشجار الزيتون — أمام أنشطة التعدين، رغم الاعتراضات الواسعة من المجتمع المدني والبيئيين. ويخشى المراقبون من أن مثل هذه السياسات ستُفاقم من التدهور البيئي والمناخي في البلاد، خصوصاً في مناطق تعاني أصلاً من قسوة الطبيعة.

