في مشهد اعتبره مراقبون أنه يعكس استمرار التضييق على حرية التعبير في تركيا، أصدرت محكمة إسطنبول الجنائية العليا الثالثة عشرة حكماً بالسجن على المؤثر التركي بكر أصلان، المعروف على مواقع التواصل الاجتماعي باسم “بازل”، بعد اتهامه بنشر دعاية لمنظمة إرهابية عبر حسابه على منصة “إكس”.
القضية تأتي في وقت تتصاعد فيه الانتقادات المحلية والدولية لنهج السلطات التركية تجاه النشطاء الرقميين والمعارضين، وسط تزايد استخدام قوانين مكافحة الإرهاب لتجريم التعبير السياسي أو النقدي.
تفاصيل الحكم: إدانة بثلاث منشورات إلكترونية
قضت المحكمة بسجن أصلان لمدة عام وستة أشهر بسبب ثلاثة منشورات نُشرت على حسابه في “إكس”، واعتبرتها النيابة العامة ذات طابع دعائي لمنظمة محظورة.
ورغم رفع الإجراء القضائي الذي كان يُلزمه بالتوقيع الدوري في مركز الشرطة، قررت المحكمة الإبقاء على حظر سفره إلى الخارج حتى انتهاء فترات المراقبة القانونية.
وبحسب النظام القضائي التركي، فإن الأحكام التي تقل عن عامين غالباً ما تُعلَّق تنفيذياً، بحيث لا يدخل المتهم السجن إلا إذا ارتكب مخالفة مماثلة خلال السنوات الخمس التالية، ما يجعل الحكم بمثابة إدانة رمزية ذات أثر رادع أكثر من كونه عقوبة تنفيذية فورية.
المنشورات محل الاتهام: رموز سياسية وثقافية مثيرة للجدل
تضمّنت التغريدات الثلاث إشارات رمزية فسّرتها النيابة على أنها دعم غير مباشر لتنظيمات يسارية محظورة.
في المنشور الأول، نشر أصلان صورة لافتة تحمل عبارة DEV-GENÇ، الذي يعني “الشباب الثوري” (وهو الاسم التاريخي لجناح شبابي تابع لجبهة التحرير الشعبية الثورية (DHKP-C)، وبين مصطلح “GEN-Z” في إشارة إلى الجيل الشاب الحالي. الادعاء اعتبر هذا التلاعب اللفظي دليلاً على تبني رموز تنظيم محظور والترويج لأفكاره.
أما المنشور الثاني فتناول فرقة “غروب يوروم”، وهي فرقة موسيقية احتجاجية معروفة بأغانيها المنتقدة للحكومة التركية، حُظرَت حفلاتها منذ عام 2016 وتم حجب محتواها على “يوتيوب” لاتهامها بالتقارب مع الحركات اليسارية الثورية.
في حين تضمّن المنشور الثالث عبارة “نخوض حرب الشعب”، والتي رأت فيها النيابة تكراراً لشعارات أيديولوجية مرتبطة بالتنظيمات اليسارية المسلحة.
خلفية القضية: احتجاجات ما بعد اعتقال إمام أوغلو
تعود منشورات أصلان إلى فترة الاحتجاجات الواسعة التي شهدتها تركيا عقب اعتقال رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو، القيادي البارز في حزب الشعب الجمهوري والمعارض الأبرز للرئيس رجب طيب أردوغان. فقد تم توقيف إمام أوغلو في 19 مارس على خلفية اتهامات بالفساد وجرى اعتقاله لاحقاً، في خطوة اعتبرتها المعارضة محاولة سياسية لإقصائه من السباق الرئاسي لعام 2028.
وقد أشعلت هذه الخطوة موجة احتجاجات غير مسبوقة منذ عقدين، شملت عشرات المدن التركية، واعتُقل خلالها نحو ألفي شخص بينهم طلاب وصحفيون ومحامون ونشطاء نقابيون ومدافعون عن حقوق الإنسان. وفي خضم تلك الأحداث، نشر أصلان تغريداته الثلاث التي أصبحت لاحقاً محور القضية ضده.
الاعتقال والمحاكمة: من الحبس الاحتياطي إلى الحكم النهائي
تم توقيف أصلان في 11 أبريل واحتُجز لمدة سبعة وسبعين يوماً قبل أن يُفرج عنه في أولى جلسات محاكمته بتاريخ 26 يونيو، بقرار من المحكمة التي اكتفت حينها بفرض الرقابة القضائية ومنع السفر.
وبعد أشهر من المداولات، صدر الحكم النهائي بالسجن مع وقف التنفيذ، في حين لا تزال قضية أخرى مفتوحة ضده بتهمة “إهانة الرئيس”، بسبب منشور شاركه على منصة “إكس” بتاريخ 7 يوليو الماضي، حيث طالبت النيابة بعقوبة تصل إلى أربع سنوات وثمانية أشهر سجناً.
وقد أُعيد اعتقاله في التاسع من يوليو على خلفية تلك القضية، قبل أن يُفرج عنه بعد ثلاثة أشهر بانتظار محاكمته المقبلة.
ردود الفعل: انتقادات حقوقية وتنديد بالقمع الرقمي
أثار الحكم ضد أصلان ردود فعل قوية من منظمات حقوق الإنسان ومراقبي حرية التعبير الذين رأوا فيه امتداداً لسياسة تقييد الفضاء الرقمي في تركيا.
ويرى مراقبون أن السلطات تستخدم قوانين مكافحة الإرهاب وجرائم “إهانة الرئيس” كأدوات لتكميم الأصوات المعارضة على الإنترنت، في ظل تصاعد الغضب الشعبي عقب اعتقال قيادات معارضة بارزة وتزايد الرقابة على المحتوى الإلكتروني.
ويُعتبر هذا الحكم جزءاً من سلسلة ملاحقات قضائية تطال الصحفيين والمؤثرين والنشطاء، في وقت تشهد فيه تركيا نقاشاً حاداً حول حدود حرية التعبير وشرعية استخدام الرموز السياسية في الخطاب العام.
السياق الأوسع: خطاب السلطة والرقابة المتصاعدة
تأتي هذه القضية ضمن سياق أوسع من تشديد القبضة القانونية على وسائل التواصل الاجتماعي، بعد صدور تعديلات تشريعية عام 2022 تُلزم المنصات العالمية بتعيين ممثلين محليين والامتثال لطلبات الحذف الحكومية.
ورغم تبرير الحكومة لهذه الإجراءات بأنها تهدف إلى مكافحة “الأخبار المضللة”، إلا أن المعارضين يرون أنها أداة لتكميم المعارضة الرقمية وتقييد النقاش السياسي حول ملفات حساسة مثل الانتخابات والاعتقالات السياسية.
خلاصة المشهد: بين القانون والسياسة
قضية بكر أصلان تُظهر كيف تحولت المنصات الرقمية في تركيا إلى ساحة مواجهة بين حرية التعبير وقيود الدولة، حيث يمكن لتغريدة أو صورة أن تُحوّل ناشطاً شاباً إلى متهم بالإرهاب أو إهانة الرئيس.
وفي ظل اقتراب الانتخابات المقبلة وتصاعد الغضب الشعبي من القمع السياسي، يبدو أن المعركة على الكلمة الحرة في تركيا مرشحة لمزيد من التصعيد.

