في قلب عاصفةٍ إقليمية غير مسبوقة، يطلّ مفهوم «التحالف السداسي» كأداة إسرائيلية لمحاولة إعادة تشكيل خرائط القوة من المتوسط إلى المحيط الهندي، عبر وصل الهند وإسرائيل والخليج وشرق المتوسط وشرق إفريقيا وآسيا الوسطى في حزام واحد مضاد لإيران ومحورها وحركات الإسلام السياسي السنّي، مع استثمار الانخراط الأميركي في احتواء الصين وإعادة توزيع الأعباء الأمنية في الشرق الأوسط. غير أنّ هذا المشروع يصطدم بعقبات بنيوية عميقة، من صورة إسرائيل بعد حرب غزة وحرب 2025 مع إيران، إلى شخصية نتنياهو المثيرة للرفض، ما يجعل «السداسي» أقرب إلى إطار تصوّري استراتيجي قابل للتطوير مستقبلاً منه إلى تحالف مكتمل الأركان في الحاضر.
أولا: من «عقيدة الأطراف» إلى «التحالف السداسي»
تموضع إسرائيل في الشرق الأوسط منذ نشأتها ارتبط بحقيقة بنيوية: كيان أُقيم على أرض مأهولة، محاط بمجال شعبي ودول معادية، فباتت «الهشاشة الوجودية» ركناً من أركان تفكيرها الاستراتيجي. منذ أواخر الأربعينيات، ظهر هذا في الحروب المتتالية مع مصر وسورية والأردن ولبنان والعراق، وفي سردية «الدولة الصغيرة المحاطة بالأعداء» التي وُظِّفت داخلياً وخارجياً لتبرير بناء قوة عسكرية ضاربة وتحالفات فوق إقليمية.
في الخمسينيات صاغ دافيد بن غوريون ما عُرف بـ«عقيدة الأطراف» أو «عقيدة المحيط»، التي قامت على تعويض العداء العربي بالتقارب مع دول غير عربية في محيط العالم العربي: تركيا، إيران، وإثيوبيا. هذا النهج نجح عقوداً في كسر العزلة الدبلوماسية لإسرائيل عبر التحالف مع أنقرة وطهران الشاه وإثيوبيا الإمبراطورية، وكلّها كانت تحت المظلّة الأمنية الأميركية في سياق الحرب الباردة وبنى أحلافها مثل حلف بغداد.
انقلب المشهد مع الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 التي أسقطت أحد أهم أعمدة عقيدة الأطراف، بينما أخذت تركيا تدريجيا تبتعد عن التموضع الصريح في نفس المظلّة مع إسرائيل بفعل اعتبارات داخلية وإسلامية وقضية قبرص والحاجة إلى دعم عربي في ملفات إقليمية. ومع تآكل الإقليم القديم (تراجع مصر وسورية والعراق والأردن) وتعاظم قوة إسرائيل عسكرياً وتقنياً، بدأت تل أبيب تبحث عن صيغ جديدة لكسر عزلتها وتثبيت تفوقها، كان أحدثها مسار «اتفاقات أبراهام» في عهد ترامب مع الإمارات والبحرين والمغرب، تمهيداً لمحاولة إدخال السعودية لاحقاً في دائرة التطبيع.
في هذا السياق العام يأتي طرح بنيامين نتنياهو لما سمّاه «التحالف السداسي» خلال زيارة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي لإسرائيل في فبراير 2026، كامتداد محدث لعقيدة الأطراف ولكن بأدوات أوسع وجغرافيا أشمل وأهداف مترابطة مع الاستراتيجية الأميركية في مواجهة الصين وإيران.
ثانياً: منطلقات نتنياهو: محوران شيعي وسني «راديكالي»
في خطاب نتنياهو عن «التحالف السداسي» يبرز إطار ثنائي: «محور شيعي» تقوده إيران وامتداداته في العراق وسورية ولبنان (حزب الله) واليمن (أنصار الله)، و«محور سنّي متطرف» يضم التيارات السلفية الجهادية وتنظيماتها (القاعدة وتفرعاتها السابقة وداعش) إلى جانب الحركات المنبثقة عن الإخوان المسلمين أو المتأثرة بها.
المحور الشيعي، في القراءة الإسرائيلية والخليجية، يتمثل في طيف من الدول والتنظيمات: عراق تُمسك قوى الحشد الشعبي الشيعي بجزء مهم من قراره، سورية المنخرطة في تحالف استراتيجي مع طهران، حزب الله بوصفه القوة العسكرية الأشد تنظيماً بعد إيران في هذا المعسكر، وحركة أنصار الله الزيدية في اليمن التي تحوّلت إلى لاعب إقليمي في باب المندب والبحر الأحمر. هذه الكتلة تُرى في تل أبيب والعديد من العواصم الخليجية بوصفها تهديداً متصاعداً للأمن الإقليمي وخطوط الطاقة والملاحة.
في المقابل، يتّسع تعريف «المحور السنّي الراديكالي» عند نتنياهو إلى مستويين: التيارات السلفية الجهادية التي رفعت لواء العمل المسلح العابر للحدود من أفغانستان إلى العراق وسورية واليمن والساحل الإفريقي، والحركات المتفرعة عن الإخوان المسلمين التي صعدت سياسياً مع موجة الثورات العربية في مصر وتونس، ووجدت حواضن شعبية وحزبية مختلفة. إسقاط حكم محمد مرسي في مصر، وسجن قيادات الإخوان، وانقلاب قيس سعيد على المسار الديمقراطي في تونس وسجن راشد الغنوشي، رسّخ في الوعي الإسلامي الحركي أن العمل السلمي لا يُنجي من تصنيف «العدو» لا أقل من العمل المسلح، ما يخلق بيئة خصبة للمزيد من الراديكالية.
الدول الخليجية الحليفة لواشنطن وتل أبيب ترى في هذه التيارات، سنّية كانت أم شيعية، تهديداً مباشراً لشرعية أنظمتها الريعية المستقرة على «توازن حساس» بين الثروة والولاء، ولذلك تدعم أو تغض الطرف عن استهدافها في الإقليم، مع الاحتفاظ بحق استخدامها تكتيكياً خارج الحدود عندما يلزم. نتنياهو، عبر تبنّي هذا التصنيف، يرسل إشارات تطمين إلى هذه العواصم بأن تل أبيب تقف معها ضد خصومها الإسلاميين، وتعرض عليها إطاراً أوسع للتحالف يتجاوز الشكل الثنائي لاتفاقات أبراهام نحو بناء كتلة متعددة الأطراف.
ثالثاً: أبعاد الدور الأميركي وإعادة توزيع الأعباء
يتقاطع مشروع «التحالف السداسي» بعمق مع تحولات في الاستراتيجية الأميركية، حيث تسعى واشنطن إلى تقليص انخراطها العسكري المباشر في الشرق الأوسط لصالح التركيز على مواجهة صعود الصين في المحيطين الهندي والهادئ، دون أن تترك وراءها فراغاً أمنياً يملؤه الخصوم. لذا تفضّل الولايات المتحدة اليوم بناء شبكات تحالفات إقليمية تتكفّل بدرجة من «الإدارة الذاتية» للأمن، بدعم سياسي وتقني واستخباري أميركي، بدلاً من صيغة «الشرطي الوحيد» التي سادت عقوداً.
في هذا السياق، يتكامل تصوّر نتنياهو مع مسارات قائمة مثل «I2U2» (الهند، إسرائيل، الإمارات، الولايات المتحدة) والممر الاقتصادي الهندي – الشرق أوسطي – الأوروبي (IMEC) الذي طُرح كموازٍ لمبادرة «الحزام والطريق» الصينية، ويركّز على ربط الهند بالخليج وإسرائيل وأوروبا بشبكات نقل وطاقة واتصالات. هذه المبادرات تخلق مصالح مادية عميقة بين الهند وإسرائيل ودول الخليج وواشنطن، تُترجم في مشروعات طاقة متجددة وبنى تحتية واتفاقات تكنولوجية، وتؤسس لأرضية يمكن البناء عليها نحو تحالف أوسع كـ«السداسي» ولو بشكل تدريجي ومرن.
تسعى واشنطن أيضاً إلى استخدام الهند، بما تمتلكه من ثقل ديمغرافي واقتصادي وعسكري، كوزن موازن للصين في آسيا، في إطار ما يشبه محاور متقابلة: على ضفة، الصين وباكستان وإيران في اصطفاف فضفاض، وعلى الضفة الأخرى، الولايات المتحدة والهند وإسرائيل وبعض دول الخليج، مع بقاء دول مثل باكستان والسعودية في تموضع متأرجح تسعى للاستفادة من الطرفين. هذا يعمّق الحاجة الأميركية إلى إدماج الهند في شبكات أمنية واقتصادية تمتد إلى الشرق الأوسط، وهو ما يجعل من فكرة «التحالف السداسي» جذابة في واشنطن من حيث المبدأ، وإن كانت لا تزال في طور المفهوم أكثر من كونها مبنى مؤسسياً واضح المعالم.
رابعاً: خريطة الدول المرشحة في «السداسي»
الهند: العمود الفقري الآسيوي
تتصدّر الهند قائمة الدول المستهدفة ضمن تصور «التحالف السداسي» بما تمثّله من سوق ضخم وقوة بشرية وخبرات تقنية متنامية، إضافة إلى تقارب متزايد مع إسرائيل في مجالات الدفاع والتكنولوجيا والأمن السيبراني. وجود حكومة قومية هندوسية يمينية بقيادة مودي، تتخذ مواقف صلبة تجاه باكستان وتتبنى خطاباً متشددًا إزاء الإسلام السياسي، يسهّل على تل أبيب وواشنطن تسويق شراكة استراتيجية معها في مواجهة «المحاور الراديكالية» في المنطقة.
في المقابل، تواجه نيودلهي معضلة التوازن بين علاقاتها المتنامية مع إسرائيل والولايات المتحدة والخليج، وبين حاجتها إلى إبقاء خطوط حيوية مع إيران، بوصفها بوابة إلى آسيا الوسطى عبر ميناء تشابهار، وفاعل مهم في سوق الطاقة، إضافة إلى حساسيات داخلية تتعلّق بمواطنيها المسلمين وصورتها في العالم الإسلامي. الانخراط العميق في تحالف يُصاغ بصورة عدائية لإيران وتركيا ومحور المقاومة قد يكلّف الهند جزءاً من هذه المكاسب، ولهذا يتوقع أن تميل – في المدى المنظور – إلى شراكات وظيفية جزئية (في الطاقة، التكنولوجيا، الممرات التجارية) أكثر من الانضمام إلى هيكل تحالف رسمي معلن.
دول الخليج: رأس المال والطاقة والاستخبارات
في قلب التصور الإسرائيلي – الأميركي يقف الخليج العربي، خصوصاً السعودية والإمارات، بوصفهما خزانات مالية ضخمة ومصدّراً أساسياً للطاقة وشركاء صاعدين في مجالات التكنولوجيا والاستثمار والدور الإقليمي. الإمارات، التي دخلت مبكراً في اتفاقات أبراهام ونسجت شبكة تعاون أمني وتقني مع إسرائيل، تظهر كمرشح طبيعي للانخراط في أي صيغة أوسع، بينما تتقدّم السعودية بحذر، مدفوعة بمزيج من الحسابات الداخلية (الشرعية، الرأي العام) والخارجية (إدارة العلاقة مع واشنطن وبكين وطهران.
يُضاف إلى ذلك دور البحرين كحلقة صغيرة لكنها حساسة بفعل تركيبتها السكانية ذات الأغلبية الشيعية، وعلاقتها المعقدة مع إيران، مما يجعلها أقرب إلى التموضع كاملاً في المحور الأميركي – الإسرائيلي – الخليجي بحثاً عن مظلّة حماية. أما الأردن، المرتبط باتفاقية سلام مع إسرائيل منذ التسعينيات، فيظل جزءاً من المحيط السياسي والأمني لهذا المشروع، مع ما يفرضه ملفا القدس واللاجئين من قيود على مدى انخراطه العلني في تحالفات جديدة.
مصر والمغرب وشرق إفريقيا: بوابات المتوسط والبحر الأحمر
تلعب مصر، المستندة إلى معاهدة كامب ديفيد وتعاون أمني طويل مع إسرائيل في سيناء وغزة، دوراً محورياً في أي ترتيبات تخص قناة السويس والبحر الأحمر وغاز شرق المتوسط، حتى لو تم ذلك في إطار غير معلن أو عبر مؤسسات إقليمية أوسع. المغرب، الذي طبع علاقاته مع إسرائيل ضمن اتفاقات أبراهام، يقدّم لإسرائيل منفذاً نحو غرب المتوسط وعمقاً في شمال إفريقيا، ويمكن أن يكون جزءاً من «جناح مغاربي» داخل أي هندسة سداسية أو متعدّدة الأضلاع.
على الضفة الأخرى من البحر الأحمر، يبرز اسم إثيوبيا امتداداً لإرث عقيدة الأطراف القديمة، مع إضافة كيان «صوماليلاند» غير المعترف به دولياً، الذي تسعى تل أبيب إلى توظيفه كنقطة ارتكاز قبالة اليمن في باب المندب، مستثمرةً هشاشته السياسية وحاجته الماسّة إلى الاعتراف والاستثمارات. هذا الترتيب، إذا اكتمل، يتيح لإسرائيل وحلفائها التحكم بشكل أفضل في شريان الملاحة بين قناة السويس والمحيط الهندي، وتقليص هامش مناورة خصومهم في طهران وصنعاء.
شرق المتوسط وأوروبا: اليونان وقبرص في مواجهة تركيا وسورية
في شرق المتوسط، يتقاطع مشروع «السداسي» مع تحالفات قائمة بين إسرائيل واليونان وقبرص (الاعتراف الدولي بـ«جمهورية قبرص»)، تتمحور حول استغلال حقول الغاز وترسيم الحدود البحرية، وغالباً ما تُصاغ ضمناً في مواجهة المطالب التركية والسورية والليبية. انخراط أثينا ونيقوسيا في هذا المسار يوفر لإسرائيل عمقاً أوروبياً، ويوفر لهما، بالمقابل، دعم حليف إقليمي قوي في نزاعاتهما مع أنقرة، لكنه يغذّي في الوقت ذاته شعوراً متزايداً في تركيا بأنها مستهدفة بحزام من الترتيبات البحرية والأمنية يقيد حركتها في المتوسط.
بالنسبة لسورية، التي دمرت قدراتها البحرية وتتعرض لسلسلة ضربات إسرائيلية متكررة، فإن أي توسع في الشراكات الإسرائيلية – اليونانية – القبرصية مع مصر يمثل مزيداً من الإقصاء لساحلها عن معادلات الغاز والأمن الإقليمي، ويكرّس تبعية أكبر للأسد لطهران وموسكو لتعويض هذا الغياب.
أذربيجان وكازاخستان: الخاصرة الشمالية لإيران وآسيا الوسطى
في آسيا الوسطى والقوقاز، تبدو أذربيجان مرشحاً بارزاً ضمن تصور «السداسي» بفعل علاقاتها الأمنية الوثيقة مع إسرائيل، وخصومتها المتجذرة مع أرمينيا، وتوترها الدائم مع إيران التي تنظر بعين الريبة إلى قومية أذربيجانية تمتد إلى داخل حدودها. الحديث عن «ممر زنغزور» الذي رُوّج له في بعض الأوساط بوصفه «طريق ترامب» يربط بحر قزوين بالمتوسط عبر أذربيجان وأرمينيا وتركيا، يضيف بعداً جديداً للصراع على الممرات بين مشاريع تركية وإسرائيلية وأميركية، مع تشابكات معقدة بين باكو وطهران وأنقرة وموسكو.
أما كازاخستان، الدولة الواسعة الغنية بالطاقة والممتدة بين روسيا والصين، فتُذكر أحياناً كمرشح محتمل للمشاركة في ترتيبات أوسع إذا تم تغليفها بطابع اقتصادي/تجاري أكثر منه أمني صدامي، بما يسمح لها بموازنة نفوذ بكين وموسكو دون استفزازهما مباشرة. غير أن انضمام دول كهذه يبقى مشروطاً بسقوف ترسمها موازين القوى الكبرى؛ فأي اعتراض حاد من الصين أو روسيا يمكن أن يحسم الموقف قبل أن يتسع هامش المناورة أمام هذه العواصم.
خامساً: تركيا وسورية وخط التهميش المتدرّج
رغم أنّ الخطاب الإعلامي في بعض العواصم يميل إلى قراءة أي حراك إقليمي بوصفه «موجهاً ضد تركيا»، إلا أن التصور الإسرائيلي للحزام السداسي يُبقي أنقرة ودمشق خارجه أساساً، ويراهن على حصار نفوذهما لا على مواجهتهما المباشرة. في شرق المتوسط، يعني تعزيز الشراكة مع اليونان وقبرص ومصر، مع توظيف ليبيا كامتداد بحري محتمل لتركيا، أن أنقرة تجد نفسها بين خيارين: تصعيد الصراع على ترسيم الحدود ومشاريع الطاقة، أو السعي إلى تفاهمات ظرفية تكسر عزلتها البحرية الجزئية.
في الشمال السوري، تتقاطع المصالح التركية مع جماعات إسلامية مختلفة الخلفيات، بينها بقايا التيارات الإخوانية والسلفية، مما يجعل من الصعب على تل أبيب وواشنطن والرياض وأبو ظبي إدخال تركيا في منظومة موجهة خطابياً ضد هذه التيارات، حتى لو كانت الصدامات مع بعضها تكتيكية. لذلك يفضّل التصور السداسي – إذا ما تطور – أن يترك تركيا في دائرة «الخصم القابل للاحتواء» عبر مشاريع ممرات بديلة (بحرياً وبرياً) تربط الهند والخليج وأوروبا من دون المرور بأراضيها، على أن تُدار ملفات التوتر معها داخل أطر الناتو أو تفاهمات ثنائية منفصلة.
سادساً: شكل «التحالف السداسي»: بين الأمن والاقتصاد والرمزية
حتى الآن، لا يحمل «التحالف السداسي» ملامح مؤسسة محددة: ليست هناك معاهدة دفاع جماعي معلنة على غرار الناتو، ولا بنية تشريعية وتنفيذية على نمط الاتحاد الأوروبي، بل تصور مرن قد يتحرك في واحد من مسارات متدرجة. المسار الأول يراه إطاراً اقتصادياً – لوجستياً يشبه إلى حد ما تجمعات مثل «I2U2» أو مشاريع الممرات الاقتصادية، يركز على التجارة والطاقة والتكنولوجيا، مع امتدادات أمنية ناعمة في تبادل المعلومات والتدريب.
المسار الثاني قد يتطور نحو صيغة أمنية/استخباراتية أكثر تماسكاً، تُبنى على شبكات قائمة بين إسرائيل والولايات المتحدة والخليج والهند واليونان وقبرص، دون أن تصل إلى إعلان تحالف دفاعي رسمي، لكن مع تنسيق أوثق في مجالات الدفاع الجوي، والمراقبة البحرية، ومكافحة ما يوصف بـ«الإرهاب» و«النفوذ الإيراني». المسار الثالث، الأقل احتمالاً في المدى المنظور، هو ولادة منظمة رسمية ذات أمانة عامة واجتماعات دورية ملزمة، وهو سيناريو يصطدم بتحفظات عميقة لدى دول لا ترغب في ربط مصيرها رسمياً بمواجهات مفتوحة مع إيران أو انخراط معلن في معسكر واحد ضد قوى كبرى أخرى.
بهذا المعنى، يبدو «التحالف السداسي» اليوم أقرب إلى «لغة استراتيجية» و«منتج دعائي/مفاهيمي» يُستخدم لتسويق اصطفافات قائمة بالفعل (الهند – إسرائيل – الخليج – واشنطن – شرق المتوسط)، وجذب شركاء محتملين، أكثر منه اتفاقاً ناجزاً، مع ترك هامش واسع لإعادة تشكيله بحسب تبدل القيادات والظروف الإقليمية.
سابعاً: حرب غزة، حرب إيران، وصورة إسرائيل المنهارة
جاء طرح «التحالف السداسي» في ظل سياق ملتهب: عملية 7 أكتوبر 2023 وما أعقبها من حرب مدمرة على غزة استمرت حتى 2025، وحرب مباشرة بين إسرائيل وإيران في صيف 2025 شهدت لأول مرة تبادلاً واسعاً للصواريخ والهجمات على العمق، وانخراطاً أميركياً مباشراً في ضرب منشآت إيرانية حساسة. هذه الحروب كشفت، في نظر كثير من المراقبين، حدود التفوق الإسرائيلي؛ إذ تعرضت الجبهة الداخلية لاختراقات غير مسبوقة، وتحولت صور القصف والدمار في غزة إلى عامل تعبئة عالمي ضد إسرائيل، بما في ذلك داخل الرأي العام في الدول المرشحة للانخراط في أي تحالف معها.
على المستوى المجتمعي، أُشير إلى أن نسبة ملموسة من سكان إسرائيل غادرت البلاد خلال المتغيرات الأخيرة، وفق تتبعات لحركة الطيران وسلوكيات الهجرة المؤقتة والدائمة، ما يعكس اهتزازاً عميقاً في «أسطورة الأمن المطلق» التي بُني عليها المشروع الصهيوني منذ 1948. هذا التآكل في صورة القوة التي لا تُقهر، إضافة إلى اتهامات موسعة لإسرائيل بارتكاب جرائم حرب في غزة، يزيد من كلفة الارتباط العلني بها بالنسبة لعواصم تسعى في الوقت نفسه للحفاظ على صورتها أمام شعوبها وعلى منصاتها الإعلامية.
في المقابل، تسوّق القيادة الإسرائيلية نفسها بوصفها «خط الدفاع المتقدم» عن نظام دولي يخشى تمدد إيران وحركات المقاومة، وتستخدم خطاب «الحرب على الإرهاب» و«حماية الممرات البحرية» لإقناع شركائها بأن ما تقوم به ضرورة استراتيجية، لا عبئاً أخلاقياً. هذا الشد والجذب بين كلفة الارتباط الأخلاقية وجدواه الاستراتيجية هو ما سيحدد، في المدى المتوسط، مدى استعداد دول كالسعودية والهند والمغرب وكازاخستان للانخراط بعمق في أي إطار تقوده إسرائيل.
ثامناً: نتنياهو بين الإشاعات الصحية ومستقبل المشروع
تزامن النقاش حول «التحالف السداسي» مع موجة واسعة من الشائعات حول صحة بنيامين نتنياهو، وصلت إلى حد تداول أخبار عن إصابته بسرطان الدم أو البروستات، وموته أو عجزه، وهو ما نفته تقارير طبية رسمية، مؤكدة أن رئيس الوزراء خضع لعمليات جراحية غير سرطانية ويعاني من التهابات تُعالج بالمضادات الحيوية. رغم ذلك، استمرت التكهنات بفعل غياب نتنياهو لفترات عن الظهور المباشر، واعتماده المتزايد على بيانات مكتوبة وفيديوهات قصيرة غامضة التوقيت، ما دفعه أخيراً إلى نشر مقاطع مصوّرة حديثة – بينها تسجيل في مقهى يُظهر يديه رداً على إشاعة امتلاكه ستة أصابع – لتفنيد الروايات عن موته أو استبداله.
هذا الانخراط الدفاعي في معركة الصورة يعكس تراجعاً كبيراً في «هالة» الدولة والأجهزة التي كانت تُقدّم سابقاً بوصفها قادرة على الوصول إلى خصومها في أي مكان، ولا تحتاج إلى إثبات أن زعيمها على قيد الحياة. على المستوى الدولي، تحوّل نتنياهو إلى أحد أكثر القادة إثارة للرفض، إذ تُحمّله قطاعات واسعة من الرأي العام مسؤولية المجازر في غزة وتعطيل أي مسار سياسي، ما يجعل وجوده على رأس مشروع تحالف واسع عاملاً مثبطاً لرغبة عواصم عديدة في الظهور إلى جانبه بصورة رسمية.
مع ذلك، يبدو أن «فكرة» التحالف السداسي لا ترتبط بشخص نتنياهو وحده؛ فهي امتداد لسلسلة طويلة من التصورات الإسرائيلية لبناء أحزمة أمان عبر الأطراف غير العربية، وقد تستعاد بشكل معدل بعد خروجه من المشهد، مع وجوه أقل إثارة للجدل وأكثر قابلية للتسويق دولياً. هذا يفتح احتمال أن تكون المرحلة الراهنة أشبه بـ«حقل تجارب» للمفردات والأطر، تُختبر فيها ردود فعل العواصم المختلفة، ليُعاد تركيب الصيغة لاحقاً في سياق سياسي أقل توتراً، إذا ما تراجعت حدة الحروب الراهنة أو تبدلت القيادات.
تاسعاً: حدود استهداف تركيا والعرب وإيران
القراءة التي ترى في «التحالف السداسي» مشروعاً يستهدف دولة بعينها، كتركيا مثلاً، تبدو مبسّطة ومتمركزة حول الذات أكثر مما تسمح به طبيعة المشروع. فالمخطط – كما يظهر من توزيع الدول – يسعى إلى بناء حزام واسع لعزل أو احتواء محور إيران وحركات المقاومة أولاً، وخلق بدائل للممرات والموارد التي تملكها دول مثل تركيا ومصر وسورية وباكستان، لا إلى إطلاق مواجهة مباشرة معها.
هذا لا يعني أن تركيا أو غيرها خارج نطاق التأثر؛ إذ إن الالتفاف على الممرات التركية – البرية والبحرية – عبر ربط الهند بالخليج وإسرائيل وأوروبا يحدّ من أوراق القوة التي تستخدمها أنقرة في التفاوض مع الغرب والشرق. كذلك، فإن إدخال أذربيجان وربما كازاخستان في ترتيبات أمنية ولوجستية متقاربة مع إسرائيل والهند والخليج يرسل رسالة واضحة إلى إيران بأن محاولاتها تشكيل عمق استراتيجي من المتوسط إلى آسيا الوسطى ستواجه بحزام مضاد متعدد المستويات.
في العالم العربي، يخلق تصاعد هذا النوع من التحالفات فجوة إضافية بين أنظمة تسير في مسار التطبيع وتعميق التعاون مع إسرائيل، وبين مجتمعات ترى في مشاهد الحرب والدمار في غزة ورمزية القدس سبباً جوهرياً لرفض أي اصطفاف معها. هذه الفجوة، إذا استمرت في الاتساع، ستغذي على الأرجح موجات جديدة من الراديكالية والاحتجاج، وتعقّد مهمة أي حكومة عربية ترغب في المضي بعيداً في تحالفات مع تل أبيب والهند وواشنطن في إطار «سداسي» أو غيره.
عاشراً: مآلات محتملة في أفق السنوات المقبلة
مدى تبلور «التحالف السداسي» كواقع مؤسسي سيعتمد على مجموعة متغيرة من العوامل: استمرار أو توقف الحرب على غزة وما يرتبط بها من جبهات، مستوى التصعيد أو التهدئة بين إسرائيل وإيران، مسار السياسة الداخلية في إسرائيل (ومن بينها مستقبل نتنياهو)، واتجاهات السياسة الهندية تجاه إيران وتركيا والعالم الإسلامي. كما سيتأثر بالكيفية التي ستوازن بها السعودية والإمارات بين انخراطهما المتزايد في محاور تقودها واشنطن وتل أبيب، وبين الحفاظ على قنوات مع بكين وموسكو وطهران، وبالقدرة على احتواء الغضب الشعبي العربي والإسلامي من سياسات إسرائيل.
في كل الأحوال، يبدو أن الحقبة المقبلة ستشهد إعادة تشكّل بطيئة ومركبة لخرائط التحالفات، بحيث لا تعود الخطوط مستقيمة بين «معسكرين» بل شبكات متداخلة من التعاون والتنافس، يتجاور فيها التعاون في الطاقة والتكنولوجيا مع الصراع في ملفات الأمن والهوية والحدود. ضمن هذه اللوحة المعقدة، سيبقى «التحالف السداسي» أحد الأطر المفهومية التي ستستخدمها تل أبيب وواشنطن ونيودلهي والعواصم الخليجية لوصف طموحاتها في بناء حزام متعدد الأبعاد، حتى لو لم يتجسد – عملياً – في منظمة تحمل هذا الاسم.
خلاصة
«التحالف السداسي» ليس حتى الآن تحالفاً مكتمل البنية، بل إطار تصوّري تسعى إسرائيل، بدعم أميركي، إلى من خلاله ربط الهند والخليج وشرق المتوسط وآسيا الوسطى وشرق إفريقيا في حزام واحد لعزل إيران ومحاور الإسلام السياسي واستثمار الممرات الاقتصادية الجديدة. غير أن الحروب الأخيرة، وصورة إسرائيل الأخلاقية المتآكلة، ورفض نتنياهو الواسع، تجعل مآل هذا المشروع مرهوناً بتبدلات عميقة في القيادات والسياقات، أكثر من كونه خياراً جاهزاً على الطاولة اليوم.

